في مشهد يخلد معاني البطولة والفداء، يظل اسم الشهيد ضياء فتوح، ضابط المفرقعات الشاب، منارة تضيء دروب الأجيال في التضحية من أجل الوطن. اختار ضياء مهمة هي الأصعب في جهاز الشرطة، مهمة لا تقبل الخطأ ولا تمنح فرصة ثانية، حيث يواجه الموت يومياً لإنقاذ الآخرين.
بداية الحكاية: سنوات صعبة ومعركة ضد الإرهاب
جاءت رحلة الشهيد ضياء فتوح في سنوات عصيبة عاشتها مصر بعد ثورة 30 يونيو، حين خاضت الدولة معركة شرسة ضد الإرهاب. وقف رجال الجيش والشرطة في الصفوف الأولى دفاعاً عن الوطن، وكان ضياء أحد هؤلاء الأبطال الذين آمنوا بأن الواجب لا يؤجل، وأن حياة المواطنين أمانة في أعناقهم.
تفاصيل الحادثة: السادس من يناير 2015
في ظهر يوم السادس من يناير عام 2015، تلقت إدارة المفرقعات بلاغاً بوجود عبوة ناسفة أمام قسم شرطة الطالبية بشارع الهرم، في منطقة مزدحمة بالمارة والسيارات، وعلى مقربة من محطة وقود. توجه ضياء فتوح ضمن فريق المفرقعات إلى موقع البلاغ، وبعد تأمين المحيط بدأ في التعامل مع العبوة ومحاولة إبطال مفعولها قبل أن تنفجر وتحصد أرواح الأبرياء.
لحظات البطولة: تقدم بثبات نحو الخطر
كان ضياء يدرك حجم الخطر الذي يواجهه، لكنه تقدم بثبات وشجاعة واضعاً نصب عينيه هدفاً واحداً: إنقاذ المواطنين ومنع وقوع كارثة. وثقت عدسات الكاميرات تلك اللحظات الأخيرة، حيث أظهر مقطع فيديو تداولته وسائل الإعلام لاحقاً الشهيد وهو يؤدي عمله قبل أن يقع الانفجار المفاجئ أثناء محاولة تفكيك العبوة. في ثوانٍ معدودة تحول المشهد إلى مأساة، وارتقى ضابط المفرقعات شهيداً وهو يؤدي واجبه، بعدما واجه الخطر بنفسه ومنع خسائر أكبر بين المواطنين.
ما بعد الاستشهاد: أسرة صغيرة وطفلة رضيعة
خلف البطل أسرة صغيرة كانت تنتظر عودته إلى المنزل، وطفلة رضيعة لم يتجاوز عمرها أربعة أشهر. كبرت الطفلة على حكاية أبٍ أصبح اسمه عنواناً للتضحية والفداء. لم تنته القصة عند لحظة الاستشهاد، بل سرعان ما بدأت أجهزة الأمن في تتبع خيوط الجريمة وكشف المتورطين فيها.
التحقيقات: كشف المتورطين وتفكيك الخلية
أثبتت التحقيقات أن عناصر تنظيم «أجناد مصر» الإرهابي كانت وراء زرع العبوة الناسفة التي أودت بحياة الشهيد، كما كشفت تورط التنظيم في عدد من العمليات الإرهابية الأخرى التي استهدفت رجال الشرطة. نجحت أجهزة الأمن في ملاحقة أفراد الخلية الإرهابية وضبط عدد من عناصرها، وتمكنت من توجيه ضربات قوية للتنظيم انتهت بالقضاء على قياداته وتفكيك بنيته المسلحة.
العدالة تنتصر: أحكام الإعدام في 2017
في السابع من ديسمبر عام 2017، أصدرت المحكمة أحكامها بإعدام عدد من عناصر خلية «أجناد مصر» بعد إدانتهم في القضية، لتنتصر العدالة لدماء الشهداء الذين دفعوا حياتهم ثمناً لحماية الوطن.
خلود الاسم: مدرسة تحمل اسم الشهيد
بقي اسم الشهيد حاضراً في ذاكرة أبناء قريته التلين بمركز منيا القمح بمحافظة الشرقية، بعدما أطلقت الدولة اسمه على إحدى المدارس تخليداً لبطولته وتقديراً لما قدمه. لم يكن يبحث عن بطولة أو شهرة، ولم يخرج من منزله في ذلك اليوم وهو يعلم أنه لن يعود، لكنه فعل ما اعتاد أن يفعله دائماً: ذهب إلى واجبه.
رسالة خالدة: الشجاعة والتضحية
رحل ضياء فتوح، وبقيت صورته وهو يتقدم نحو العبوة الناسفة في شارع الهرم شاهداً على معنى نادر للشجاعة. وبقيت حكايته تروي للأجيال أن هناك رجالاً اختاروا أن يدفعوا حياتهم ثمناً ليعيش الآخرون في أمان. قصة الشهيد ضياء فتوح ليست مجرد حكاية فردية، بل هي ملحمة وطنية تخلد معاني الفداء والانتماء.



