لا يتوقف تأثير الحروب عند حدود البيوت المهدمة أو موجات النزوح المتكرّر، بل يمتد إلى أكثر المساحات خصوصية وهشاشة في حياة النساء، حيث تختلط تفاصيل الأمومة بالخوف والفقد. ومع استمرار القصف وتكرار التهجير، تتشكّل حالة نفسية معقّدة تقوم على القلق الدائم والتوتر المزمن، والشعور بفقدان السيطرة على أبسط تفاصيل الحياة اليومية.
فاطمة تفقد جنينها تحت وطأة النزوح
هذا المشهد كان جزءاً من تجربة فاطمة بيضون، التي تروي كيف انعكست تبعات العدوان الإسرائيلي الأخير على لبنان على حملها الثالث، لتنتهي التجربة بخسارة جنينها تحت وطأة الخوف والتنقل المستمر بين أماكن النزوح غير الآمنة. تسترجع السيدة الثلاثينية رحلتها مع الأمومة منذ حملها الأول، حين أنجبت طفلها في ظروف نفسية بالغة الصعوبة بعد وفاة والدتها، مما أدخلها في حالة اكتئاب استمرت نحو ستة أشهر، انعزلت خلالها عن محيطها، ووجدت صعوبة في التفاعل مع رضيعها في أشهره الأولى.
تجارب حمل متعاقبة وسط الحروب
لاحقاً ومع تحسّن تدريجي في حالتها النفسية، قرّرت خوض تجربة حمل جديدة، لتُرزق بطفلة أعادت إليها شيئاً من التوازن، فبدأت الاستعداد لقدومها وسط محاولة لترميم ما خلّفته التجربة الأولى من ألم. إلا أن الحرب التي شهدها لبنان قبل نحو عامين، بالتزامن مع العدوان على قطاع غزة، سرعان ما أعادت قلب حياتها، فمع تصاعد القصف والتهجير اضطرت للنزوح وترك منزلها لتجد نفسها في مواجهة ولادة جديدة في ظروف غير آمنة، حيث القصف والموت كانا يحيطان بالمكان.
ومع حملها الثالث عادت الحرب الأخيرة لتفرض حضورها بقسوة أكبر، لتضطر إلى النزوح المفاجئ من الجنوب اللبناني مجدداً، فباتت الحركة المستمرة بين مراكز الإيواء والمناطق الأكثر أماناً نسبياً رفقة أبنائها جزءاً من يومها، بينما ظل القلق يرافقها في كل لحظة، خصوصاً مع مشاهد الدمار القريب وغياب الاستقرار، حيث تقول إن الضغط النفسي المتواصل والإجهاد الجسدي لم يتوقفا طوال الوقت لينتهي الأمر بخسارة قاسية: «كنت بحاول بكل الطرق أحافظ على حملي، ولكن في النهاية فقدت جنيني».
أرحام النساء مهددة في الحرب
وتصف «فاطمة» مشاعرها بأن تلك الحادثة لا تزال محفورة في ذاكرتها رغم نجاتها من القصف: «في الحرب كل شيء مهدّد، بما في ذلك أرحام السيدات وأمومتهن». وتؤكد أن تأثير الحرب لا يقتصر على الدمار المادي، بل يمتد ليهدد أعمق مشاعر الأمومة وأقدس لحظات الحمل، حيث تصبح النساء الحوامل في مرمى نيران الخوف والقلق اللذين لا يقلان قسوة عن القنابل.



