ذكرى ميلاد المحرر البرلماني في مصر.. معركة الصحافة تحت القبة
ذكرى ميلاد المحرر البرلماني في مصر

في مثل هذا اليوم، 24 مايو عام 1909، وُلدت للمرة الأولى وظيفة المحرر البرلماني لمتابعة أعمال البرلمان، بعدما حصل الصحفيون على حق تغطية جلسات المجالس النيابية في مصر، عقب معركة طويلة خاضتها الصحافة المصرية من أجل السماح لمندوبي الصحف بحضور الجلسات ونقل ما يدور تحت القبة إلى الرأي العام.

بداية القصة: الاحتلال البريطاني وحرمان الصحافة

ووفقًا لما كتبه المؤرخ الكبير يونان لبيب رزق في مؤلفه "ديوان الحياة المعاصرة"، فإن القضية طُرحت لأول مرة عقب الاحتلال البريطاني لمصر عام 1882، وصدور القانون الأساسي الذي تشكلت بموجبه المجالس النيابية الجديدة، حيث حرص الاحتلال البريطاني لأول مرة على تضمين نص يمنع ممثلي الصحافة والرأي العام من متابعة ما يجري داخل القاعات النيابية.

حسين خشبة يقود المطالبة بعلنية الجلسات

ومع تطور الحياة النيابية، تفجرت القضية من جديد، عندما تقدم عضو البرلمان حسين خشبة باقتراح يقضي بجعل جلسات مجلس شورى القوانين والجمعية العمومية علنية، وقوبل الاقتراح بترحيب من رئيس مجلس النظار، كما لاقى تصفيقًا واسعًا من أعضاء الهيئة البرلمانية، وهو ما بث التفاؤل بين الصحفيين الذين تابعوا المناقشات من خارج القاعة. وعلى إثر ذلك، صدر الأمر العالي بالموافقة على علنية جلسات الجمعية العمومية ومجلس شورى القوانين، إلا أن بعض أعضاء الجمعية حاولوا تعطيل تنفيذ القرار بسبب تأخر صدور اللائحة الداخلية المنظمة للجلسات.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

عريضة تاريخية من الصحف المصرية

في المقابل، عقد ممثلو 11 صحيفة مصرية، من بينها جريدة الأهرام و"المؤيد" و"اللواء" و"المقطم"، اجتماعًا مشتركًا، ورفعوا عريضة إلى الأمير حسين كامل، رئيس مجلس شورى القوانين، طالبوا فيها بالسماح للصحفيين بحضور جلسات المجلسين اعتبارًا من أولى جلسات شهر أبريل، بالتزامن مع حملة صحفية واسعة دعمت حق الصحافة في التغطية البرلمانية.

ميلاد المحرر البرلماني رسميًا

واستمر الجدل قرابة شهرين، حتى صدرت اللائحة الداخلية للجمعية العمومية، ونُشرت في الجريدة الرسمية يوم 24 مايو 1909، ليُعتبر هذا التاريخ يوم ميلاد المحرر البرلماني في مصر. ونصت اللائحة على تخصيص شرفة للصحافة داخل المجلس، مع إصدار كارنيهات خاصة للصحفيين وتخصيص مقاعد لهم، بشرط الالتزام بالهدوء التام وعدم التعليق أثناء انعقاد الجلسات.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

موسى صبري.. أشهر المحررين البرلمانيين

يُعد الكاتب الصحفي الراحل موسى صبري واحدًا من أبرز المحررين البرلمانيين في تاريخ الصحافة المصرية، فقد تعاقد معه الكاتب مصطفى أمين للعمل محررًا برلمانيًا في مؤسسة أخبار اليوم عام 1950، بترشيح من جلال الدين الحمامصي، وحقق خلال تلك الفترة العديد من الانفرادات الصحفية المهمة. كما خاض موسى صبري انتخابات أول مجلس أمة في عهد الرئيس جمال عبد الناصر عام 1957 عن دائرة قصر النيل، في مواجهة مجدي حسنين، أحد الضباط الأحرار. وفي واحدة من أشهر المواقف الدعائية الطريفة، ابتكر موسى صبري لافتة انتخابية كتب عليها: «انتخبوا موسى صبري الذي لم يؤسس مديرية التحرير»، في مواجهة دعاية منافسه التي حملت شعار: «انتخبوا مجدي حسنين مؤسس مديرية التحرير».

رواد الصحافة البرلمانية

وشهدت الصحافة البرلمانية في مصر بروز عدد كبير من الأسماء التي أسست مدرسة مهنية متميزة في تغطية الشأن النيابي والسياسي، من أبرزهم جلال الدين الحمامصي، ومحمد السيد، وجلال السيد، وإسماعيل يونس، وسامي متولي، وعبد الجواد علي، وعبد الوهاب عبد ربه، وشريف العبد، وسلامة أحمد سلامة، وشريف رياض. كما يُعد أحمد أبو الفتح، مؤسس صحيفة «المصري»، من أبرز رواد الصحافة البرلمانية والنقابية، بعدما اشتهر بتغطيته الدقيقة لمناقشات البرلمان وأداء النواب.

مصطفى أمين وتجربة البرلمان

وعمل الكاتب الصحفي مصطفى أمين محررًا برلمانيًا في بداية مشواره المهني عام 1939، أثناء توليه رئاسة قسم الأخبار في جريدة الأهرام، قبل تأسيس مؤسسة أخبار اليوم. وأسهمت تلك التجربة في تشكيل وعيه السياسي والمهني، حيث نجح في نقل كواليس الحياة النيابية إلى الشارع المصري بأسلوب صحفي جذاب، محولًا التغطية البرلمانية من تقارير تقليدية إلى قصص صحفية نابضة بقضايا المجتمع وهموم المواطنين.