بوادر أزمة جديدة بين العراق والكويت حول ترسيم الحدود البحرية
تظهر بوادر أزمة جديدة في الأفق بين العراق والكويت، حيث أثارت خريطة ترسيم الحدود البحرية التي أودعتها بغداد لدى الأمم المتحدة غضبًا واحتجاجات من دول خليجية، في حين دعت مصر إلى تغليب لغة العقل والحكمة. وتعود جذور هذه الأزمة إلى خلافات تاريخية حول المناطق البحرية المتنازع عليها، مما يهدد بتأجيج التوترات في منطقة شديدة الحساسية.
خريطة المجالات البحرية العراقية تثير الجدل والاحتجاجات
كشفت مصادر عن خريطة المجالات البحرية للعراق، التي تشمل إحداثيات الحدود مثل البحر الإقليمي والمنطقة الاقتصادية الخالصة، والتي أودعتها السلطات العراقية لدى الأمم المتحدة في 18 فبراير 2026، وفقًا لاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982. وقد تسببت هذه الخريطة في إشعال جدل قانوني واسع، حيث أظهرت مناطق متنازعًا عليها مع الكويت، مثل فشت القيد وفشت العيج، مما أدى إلى احتجاجات رسمية من الكويت والسعودية وقطر.
ويعتبر موقف الأمم المتحدة إجرائيًا بحتًا، حيث تقتصر مهمتها على تلقي الودائع ونشرها دون تأييد أو رفض، بينما تُحل النزاعات – مثل اعتراض الكويت والسعودية – بين الأطراف المعنية أو عبر القضاء الدولي. ويؤكد مراقبون سياسيون أن مجرد تقديم خريطة أو إحداثيات لا يغيّر الحدود البحرية المعتمدة دوليًا ولا يمنح حقوقًا في ثروات دولة أخرى.
مذكرة احتجاج كويتية وردود فعل عراقية
سلّمت دولة الكويت السلطات العراقية مذكرة احتجاج رسمية، ذكرت فيها أن قيام جمهورية العراق بإيداع قائمة إحداثيات وخارطة لدى الأمم المتحدة يتضمن ادعاءات حول المجالات البحرية العراقية، مما يشكل مساسًا بسيادة الكويت على مناطقها البحرية ومرتفعاتها المائية الثابتة. واستدعت وزارة الخارجية الكويتية القائم بالأعمال العراقي، زيد عباس شنشول، لتسليمه هذه المذكرة.
في المقابل، أعلنت العراق أن تحديد مجالاته البحرية وفق أحكام اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار يُعد شأنًا سياديًا، ولا يحق لأي دولة التدخل فيه، مؤكدة احترامها لأحكام ومبادئ القانون الدولي ذات الصلة. وكانت وزارة الخارجية العراقية قد أعلنت سابقًا أنها أودعت قوائم إحداثيات خط الأساس للبحر الإقليمي العراقي والمناطق البحرية، وفقًا للاتفاقية الدولية.
احتجاجات خليجية ودعم للكويت
احتجت السعودية والكويت على تقديم العراق إحداثيات حدودية بحرية جديدة إلى الأمم المتحدة، معتبرتين أن هذه المطالبات تنتهك السيادة الكويتية وتؤثر على المنطقة المقسومة بين السعودية والكويت. وأكدت المملكة العربية السعودية رفضها القاطع لأي ادعاءات بوجود حقوق لأي طرف آخر في المنطقة المقسومة بحدودها المعتمدة بين البلدين، داعية إلى الحوار والاحتكام إلى القانون الدولي.
كما أعلنت قطر تضامنها الكامل مع الكويت، مؤكدة دعمها لسيادتها التامة على مناطقها البحرية ومرتفعاتها المائية، ودعت إلى الالتزام باتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار والتفاهمات الثنائية. من جانبها، أكدت سلطنة عُمان رفضها لترسيم العراق حدوده مع الكويت، ودعت إلى مراعاة العلاقات التاريخية والأخوية ومبادئ حسن الجوار.
مصر تدعو إلى العقل والحكمة في ظل ظروف إقليمية حساسة
أكدت مصر أنها تتابع باهتمام وقلق بالغين ما أُثير بشأن قوائم الإحداثيات والخريطة المودعة لدى الأمم المتحدة والمتعلقة بالمناطق البحرية بين الكويت والعراق. وشددت وزارة الخارجية المصرية على أهمية احترام قواعد ومبادئ القانون الدولي، بما في ذلك أحكام اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، والالتزام بالتفاهمات ذات الصلة.
وذكرت مصر أن هناك أهمية بالغة لتغليب لغة العقل والحكمة، انطلاقًا من الروابط الأخوية والعلاقات التاريخية التي تجمع الدول العربية الشقيقة، خاصة أن هذه التطورات تأتي في ظل ظروف إقليمية شديدة الدقة والحساسية. وأكدت استعدادها لتقديم الدعم للبلدين لتقريب وجهات النظر والتوصل إلى تفاهمات متوافق عليها بما يعزز الأمن والاستقرار في المنطقة.
أزمة خور عبد الله تعود إلى الواجهة
تُعد أزمة خور عبد الله من أكثر الملفات حساسية في العلاقات بين العراق والكويت، لما لها من أبعاد قانونية وسيادية واقتصادية، فضلًا عن خلفيتها التاريخية المرتبطة بمرحلة ما بعد الغزو العراقي للكويت عام 1990. وتؤثر هذه الأزمة في العلاقات السياسية والدبلوماسية بين بغداد والكويت، خاصة في ظل الخلاف بشأن ترسيم الحدود البحرية لما بعد العلامة 162، وهو الامتداد البحري الذي لم يُستكمل ترسيمه منذ صدور قرار مجلس الأمن رقم 833 لسنة 1993.
وكانت المحكمة الاتحادية العليا في العراق قد أصدرت حكمًا في سبتمبر 2023 بعدم دستورية اتفاقية خور عبد الله لعدم حصولها على موافقة ثلثي أعضاء البرلمان. وتعترض العراق على اعتماد «خط المنتصف» في خور عبد الله، مفضلةً الترسيم استنادًا إلى «أعمق نقطة» في المجرى الملاحي، نظرًا لتراكم الطمي، مما يزيد من تعقيد النزاع ويؤكد ضرورة الحلول الدبلوماسية والقانونية.