مسجد عمرو بن العاص بدمياط: 13 قرناً من العبادة تتجدد في رمضان
في قلب مدينة دمياط، وعلى مقربة من نيلها العريق، يقف مسجد عمرو بن العاص شاهداً حياً على بدايات الفتح الإسلامي في مصر، حيث يعود تاريخ إنشائه إلى عام 21 هجرية، ليصبح منذ ذلك الحين منارة للعلم والعبادة عبر 13 قرناً من الزمن.
محطات تاريخية متباينة
المسجد، الذي يُعرف أيضاً باسم "مسجد الفتح أو أبو المعاطى"، مرّ بفترات صعبة شملت الهدم وإعادة البناء، خاصة خلال الغزو الصليبي لدمياط، قبل أن يستعيد مكانته كمسجد جامع يحتضن المصلين. في العصر الحديث، خضع لعمليات ترميم وتطوير للحفاظ على طابعه المعماري الفريد، مع الإبقاء على روحه التاريخية التي تميّزه عن غيره من مساجد المدينة.
إقبال متزايد في شهر رمضان
مع حلول شهر رمضان المبارك، يتضاعف الحضور داخل المسجد بشكل لافت، حيث تمتلئ أروقته وساحاته بالمصلين في صلوات التراويح والتهجد. يقول محمد عبد السلام، أحد أبناء المنطقة: "الصلاة في مسجد عمرو بن العاص لها طعم مختلف، نشعر بأننا نصلي في مكان شهد تاريخ الإسلام في دمياط، وكل رمضان نحرص أنا وأبنائي على الوجود هنا". وتضيف سارة أحمد: "اعتدنا منذ سنوات أن نجتمع كأسرة بعد الإفطار ونتوجه إلى المسجد، الأجواء فيه مميزة، والروحانية عالية، خاصة في العشر الأواخر".
دور متعدد الأوجه
لا يقتصر دور المسجد على أداء الصلوات فقط، بل يشهد تنظيم دروس دينية ولقاءات توعوية تنظمها مديرية الأوقاف بدمياط عقب الصلوات، مما يجعله مركزاً إشعاعياً دينياً واجتماعياً في آنٍ واحد. يؤكد الدكتور هاني السباعي، وكيل مديرية الأوقاف بدمياط، أن المسجد يحظى باهتمام خاص نظراً لقيمته التاريخية والدينية، مع تكثيف الفعاليات الدعوية خلال رمضان، بما في ذلك دروس يومية بعد صلاتي العصر والتراويح، وملتقيات فكرية تستهدف مختلف الفئات العمرية.
ارتباط بالتقاليد الشعبية
يرتبط المسجد بواحدة من المناسبات الشعبية المعروفة في دمياط، وهي الاحتفال بمولد "أبو المعاطى"، الذي يُقام في محيط المسجد كل عام ويتزامن مع ليلة النصف من شعبان. يقول محمد أبو حشيش، أحد رواد المسجد: "الاحتفال بالمولد تقليد قديم لأهالي المنطقة، حيث تتجمع الأسر في محيط المسجد، وتُقام حلقات الذكر والإنشاد الديني، في أجواء يغلب عليها الطابع الروحاني".
خاتمة: أكثر من مجرد مبنى
هكذا يظل مسجد عمرو بن العاص بدمياط أكثر من مجرد مبنى أثري أو مكان للصلاة، إنه مساحة للذاكرة الجمعية، ومعلم يرتبط بالمناسبات الدينية الكبرى، من ليالي رمضان العامرة بالمصلين، إلى احتفالات النصف من شعبان التي تمزج بين الذكر والتقاليد الشعبية. مع كل عام، يتجدّد حضوره في وجدان الأهالي، ليبقى أحد أهم وأشهر مساجد دمياط عبر التاريخ، حيث يتزايد الإقبال على صلوات التراويح والتهجد بشكل ملحوظ، في مشهد يعكس ارتباط الأهالي بمساجدهم التاريخية وحرصهم على اغتنام الأجواء الروحانية.



