ضجت منصات التواصل الاجتماعي مطلع هذا الأسبوع بمقطع فيديو وثقه أحد المواطنين في منطقة حلوان بالقاهرة الكبرى، يظهر فيه شخص يتعاطى المواد المخدرة ويروجها جهارا نهارا في مشهد صارخ اجتاح مواقع التواصل الاجتماعي قبل أن يصل إلى غرف العمليات الأمنية. لم تمر سوى ساعات قليلة حتى أعلنت أجهزة الأمن بوزارة الداخلية عن تحديد هوية المتهم وضبطه في عملية أمنية خاطفة، ليتبين أن المتهم عاطل مسجل خطر، وكانت بحوزته كمية من مخدر الحشيش وسلاح أبيض، وأن الفيديو المسرب كان الخيط الأول في يد المحققين.
الأمن التشاركي يحتاج إرادة تنفيذية
يؤكد الخبير الأمني والاستراتيجي اللواء أشرف عبد العزيز أن ما نشهده اليوم هو تطبيق عملي حي لمفهوم الأمن التشاركي، ذلك المفهوم الذي لا يزال يصطدم في بعض الأحيان بحائط غير مرئي من الإجراءات البيروقراطية وبطء الاستجابة المؤسسية. ويحلل اللواء عبد العزيز أبعاد الظاهرة من زوايا متشابكة:
- تعزيز الردع الاجتماعي: يرى أن سرعة استجابة وزارة الداخلية للفيديوهات المتداولة تولد حالة من الردع الحقيقي لدى مرتكبي الجرائم الظاهرة، إذ بات المجرم يدرك أن الشارع له عيون لا تنام، وأن كل هاتف في يد مواطن يقظ هو كاميرا مراقبة متنقلة لا تعطل ولا تشترى.
- الفجوة الخطيرة في القضايا الصغرى: يحذر اللواء عبد العزيز من أن التحدي الحقيقي لا يكمن في قضايا الإرهاب الكبرى أو ملفات الفساد العليا التي تفعل فيها برامج حماية الشهود بصرامة، بل يكمن في القضايا الصغرى كواقعة حلوان، فالمتهم المسجل خطر قد يقضي عقوبة قصيرة ثم يخرج، والسؤال الملح: ماذا يواجه المصور بعدها؟
- المسؤولية التنفيذية لا تنتهي بالقبض: يشدد على أن دور الداخلية لا ينتهي بتوثيق مشهد القبض على المتهم ونشر البيان الرسمي، بل يبدأ بعد ذلك بالاستجابة الفورية لتوجيهات النيابة العامة بتوفير حماية أمنية ملموسة وفعلية للمبلغين، ويحذر من أن غياب هذه الحماية قد يدفع المواطنين للصمت مستقبلا خوفا من الانتقام الشخصي.
الرؤية التقنية: التوثيق الذكي هو طوق النجاة
من منظور تكنولوجي، ترى خبيرة الأمن الرقمي والجرائم الإلكترونية الدكتورة إيناس عبد العزيز أن الوعي الرقمي للمواطن يجب أن يكون الخط الأول للدفاع عن نفسه قبل الاستناد إلى أي نص قانوني. وتستعرض خريطة المخاطر والحلول التقنية بالتفصيل:
خطر الميتا داتا الخفي
تنبه الدكتورة إيناس إلى خطر يجهله كثيرون، وهو أن رفع الفيديو بهويته الأصلية دون معالجة مسبقة قد يكشف عن موقع التصوير الجغرافي الدقيق، ونوع جهاز المصور، وتاريخ التسجيل عبر ما يعرف بالبيانات الوصفية، مما يسهل على ذوي المتهم الوصول إليه رقميا قبل أن يصلوا إليه ميدانيا.
الفعل الشريف في حاجة إلى وعي مواز
تصف التصوير بأنه أنبل فعل لكشف الجريمة وإسناد عمل الأجهزة الأمنية، غير أنها ترى أن نشره من حساب شخصي يحمل هوية واضحة يشكل مخاطرة غير محسوبة بحق صاحبه في غياب منظومة حماية فاعلة.
بروتوكول المصور الآمن
وتنصح بضرورة اتباع إجراءات غسل البيانات قبل أي نشر، واستخدام قنوات إبلاغ بديلة تضمن إخفاء الهوية الكاملة، كالتطبيقات العاملة عبر شبكات خاصة أو الحسابات المؤقتة المجهولة، لضمان وصول المعلومة إلى الجهات الأمنية دون أن يقع المصور تحت مقصلة التهديد أو الابتزاز.
المظلة القانونية: ضمانات قانون الإجراءات الجنائية الجديد
بالنظر إلى قانون الإجراءات الجنائية الجديد رقم 172 لسنة 2025، نجد أن المشرع المصري قطع شوطا ملموسا في منح النيابة العامة صلاحيات واسعة لحماية المبلغين والشهود، وتتمحور الضمانات القانونية في محاور رئيسية:
- إخفاء الهوية: وفق المادة 524، تخويل النيابة العامة صلاحية سماع أقوال المبلغين بأسماء مستعارة وبيانات غير حقيقية في السجلات الرسمية، مما يحجب هويتهم عن دفاع المتهمين.
- العنوان البديل: وفق المادة 523، اشتراط حجب محل الإقامة الحقيقي للمبلغ وإدراج عنوان بديل في كافة أوراق القضية لمنع أي تعقب ميداني محتمل.
- الشهادة عن بعد: وفق المادة 521، إتاحة أداء الشهادة عبر تقنيات الفيديو كونفرانس المشفرة بدلا من الحضور الجسدي في قاعة المحكمة، مما يقلل احتمالية التعرف على الشاهد أو تهديده.



