لم يكن محمد يحيى المتولي سالم، عامل الخدمات البسيط بإحدى المديريات الخدمية بمدينة طور سيناء، يحلم بقصر أو ثروة، بل كان كل ما يتمناه سقفًا آمنًا يجمعه بنجله بعد سنوات طويلة من الكفاح والعمل والحرمان.
حلم صغير تحول إلى مأساة
حلم صغير بحجم أسرة بسيطة، لكنه تحول في لحظة إلى مأساة إنسانية موجعة، بعدما ضاعت مدخرات عمره ومدخرات نجله في شقة اكتشف أنها بيعت لآخرين ويقيم بها سكان منذ فترة.
يجلس الرجل مثقلًا بالحسرة، يستعيد تفاصيل الواقعة بصوت يختلط فيه الألم بالدهشة، وكأنه ما زال غير مصدق لما حدث. يقول إن سنوات طويلة من العمل والادخار ذهبت هباءً، وإن كل جنيه دفعه كان ثمرة عرق وجهد وتضحيات كبيرة، شاركه فيها نجله الطالب الذي يعمل بأحد المطاعم لمساعدة والده في تحمل أعباء الحياة والدراسة.
تفاصيل عملية النصب
ويؤكد محمد أن حلم الاستقرار بدأ عندما شجعه بعض زملائه وأحد الوسطاء العقاريين على شراء شقة بمدينة طور سيناء. وبالفعل، عاين الوحدة السكنية وأعجب بها، ثم اتفق على شرائها، وسلم ما يقرب من 480 ألف جنيه، على وعد بإتمام إجراءات البيع فور حضور المالك الأصلي للتوقيع على العقد النهائي.
مرت الأيام والأسابيع دون أن يظهر المالك، بينما كان محمد ينتظر استلام شقته التي ظن أنها ستكون بداية حياة جديدة له ولابنه. لكن الصدمة كانت أقسى مما توقع؛ إذ اكتشف أن الشقة سبق بيعها بالفعل، وأن أسرة أخرى تقيم فيها منذ فترة.
تنصل الوسطاء
ويقول إن الأشخاص الذين أقنعوه بالشراء تنصلوا من مسؤولياتهم، بل إن بعضهم أكد أنه تسلم الشقة ومستنداتها، رغم أن ذلك لم يحدث مطلقًا، بحسب روايته.
ولم تتوقف المفاجآت عند هذا الحد، إذ فوجئ بمن يطالبه بتحرير عقد إيجار مع الأسرة المقيمة بالشقة، باعتباره مالكًا لها، رغم أنه لم يتمكن يومًا من استلامها أو الانتفاع بها. موقف وصفه بأنه أشبه بالكابوس الذي لا يصدقه عقل، بعدما دفع كامل قيمة الوحدة باعتباره مشتريًا لا مؤجرًا.
خسارة مدخرات العمر
ويضيف، والدموع تسبق كلماته، أن المبلغ الذي خسره لم يكن مجرد أموال، بل كان حصيلة عمر كامل من التعب والكفاح والحرمان. ويؤكد أن نجله شاركه سنوات الادخار والعمل أملاً في امتلاك منزل يوفر لهما الأمان والاستقرار، قبل أن يتحول الحلم إلى خسارة قاسية تركت في نفسيهما جرحًا عميقًا.
اللجوء للقضاء
وعلى أمل استرداد حقه، حرر محمد يحيى محضرًا بقسم شرطة طور سيناء حمل رقم 67 إداري، اتهم فيه أحد الأشخاص ببيع شقة سبق التصرف فيها للغير والحصول منه على مئات الآلاف من الجنيهات دون تمكينه من استلامها، مؤكدًا تعرضه لواقعة نصب واحتيال أفقدته كل ما يملك.
واليوم، وبين أوراق المحاضر وأروقة التحقيقات، يقف العامل البسيط منتظرًا كلمة عدل تعيد إليه الأمل الذي سُلب منه. فلا يطالب الرجل بأكثر من حقه، ولا يبحث عن تعويض لسنوات الألم، بل عن إنصاف يعيد إليه ما جمعه بعرق السنين.
نداء استغاثة
ويوجه محمد يحيى نداءً واستغاثة إلى الجهات المعنية والرقابية والقضائية بسرعة فحص ملابسات الواقعة، وكشف الحقيقة، وإعادة حقوقه القانونية، مؤكدًا أن ما حدث له قد يتكرر مع آخرين إذا لم يتم التصدي لمثل هذه الوقائع.
كما يناشد المسؤولين التدخل العاجل لإنقاذه من مصير مجهول، بعدما فقد مدخراته التي كانت تمثل أمله الوحيد في حياة كريمة له ولنجله، مطالبًا بألا تضيع سنوات الكفاح والعمل بين أروقة النزاعات والإجراءات، وأن يجد من ينصفه قبل أن تتحول مأساة الأسرة إلى جرح لا يندمل.
ويبقى السؤال المؤلم: كيف يمكن لعامل بسيط أفنى عمره في العمل الشريف أن يجد نفسه فجأة بلا مال، ولا منزل، ولا حتى إجابة شافية عن مصير مدخراته التي ذهبت في لحظة، تاركة خلفها أبًا مكلومًا ونجلًا تحطم حلمه قبل أن يبدأ؟



