محمد حسن الألفي: العوضي وغير العوضي.. أزمة وعي صحي في مصر
العوضي وغير العوضي.. أزمة وعي صحي في مصر

فجأة عرف كثيرون ما كانت تعرفه قلة عن دكتور يعالج مرضاه بأسلوب غذائي مدمر، ربما قضى عليه هو شخصياً، جراء تحريمه أغذية حيوية كثيرة. وبصرف النظر عن السبب الذي مات به أو تعرض للموت الغامض في فندق بالإمارات، فإن المثير للعجب حقاً أن وقع انفجار شعبي للتعاطف مع رحيل الطبيب الذي له ضحايا كثيرون، أو للتهجم على ما تركه من وصفات تعتبرها المؤسسة الطبية في مصر خرافات، بل وسارعت نقابة الأطباء إلى شطب اسم الطبيب العوضي.

نقابة الأطباء والتصدي للدجالين

والحق أن نقابة الأطباء لا تتأخر كثيراً في التصدي لكل عوضي، لكنها تتأخر في واقع الأمر وتبدأ في التصرف القانوني بعد شيوع المصيبة. فكم من مئات الآلاف من عوضي وغير عوضي ينشرون فيروسات الجهل الطبي، يعالجون الناس بزيت القنديل، رحم الله كاتبنا الكبير المبدع يحيى حقي، في رواية قنديل أم هاشم.

الكارثة: دجالون بشهادات علمية

الكارثة أن الذي يعالج بزيت القنديل ليس دجالاً ولا نصاباً ولا جاهلاً، بل يحمل درجة علمية، ومن ثم فالقابلية للتصديق والتطبيق عالية جداً. والأعجب ما رواه زوج الدكتورة شيماء الضحية وهو أيضاً دكتور، من أنها طبقت نظام العوضي المسمى بالطيبات، فكان وبالاً عليها وحرمها من فرصة الشفاء بالأدوية والبروتوكولات الطبية المعتمدة.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

المريض في حالات اليأس الشديدة يتعلق بقشة، ومعذور من يستغيث، لكن المغيث لا ينبغي أن يكون وهماً وضلالاً وجهاً، وترك أمثال هؤلاء الناس يتلاعبون بالصحة العامة ويرسخون الجهالة مثله كمثل غض البصر عن فيروس يستشرى في عقل المجتمع.

العقل بيت الوعي

العقل بيت الوعي، فإذا حجب غامت الرؤية، وتخبط المغيبون، وسيطر الدجالون. والحق أيضاً أن المحطات الفضائية، وصفحات الفيس، والتيك توك تشغي بعشرات ممن يقدمون وصفات وعلاجات، ويروجون لأغذية وأعشاب، يحللون ويحرمون، بل يعالجون أمراضاً خطيرة ببضع تمارين رياضية، وبعض الوصفات مهزلة بكل معنى الكلمة. كأن تحصل على بصر شديد الوضوح، ستة على ستة بأن تشد جفنيك يميناً ويساراً ثلاث مرات يومياً، وبعضهم يحذرك من أكل الخيار أو يدعوك لمواجهة الجلطة بملعقة شطة فورية!

وكان بالتيك توك طبيب يصف للناس علاجات عشبية للإسهال والقلب مصحوبة بالسب والشتم، والشخط، في عرض مسرحي، يقاربون الأسلوب الساخر المحبب للشيخ الدكتور مبروك عطية. الأخير يقدم فتاوى عن دراسة ولا يشتط، ولا ينحرف، أما باعة الوصفات الطبية بالتغذية، متجاوزين القواعد العلمية المثبتة وبروتوكولات العلاج الموثوقة، فهم يرتكبون جريمة قتل جماعي بالتدريج.

غزو الوعي الصحي

غزو الوعي بالضلالات الصحية لا يقل خطورة عن غزو الأمن السياسي، فكلاهما يقوض الأمان والثقة والطمأنينة ويقضي على وجود المواطن، مريضاً أو صحيح الصحة.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

تشن وزارة الصحة حملات لغلق منشآت صحية غير مرخصة، وكثير منها في مجال العمليات الجراحية، للتجميل أو نقل أعضاء، كما تشطب نقابة الأطباء الدكاترة المنحرفين، وهذا طيب ومحمود ومطلوب، لكن بث الوعي على نطاق مجتمعي عمل إعلامي في المقام الأول، ولا يجب أن يكون هوجة وموجة مرتبطة برحيل طبيب موضع جدال، له متعاطفون كأنه من أولياء الله، وله معارضون كأنه رسول إبليس.

ترقية الوعي العام

ترقية الوعي العام يعزز المناعة ضد فيروسات الجهالة، وهذا يحدث وفق سياسة متفق عليها بين الجهات الثلاثة المؤثرة: الصحة والنقابة والإعلام، وأن تكون خطة التعليم والتلقين متواصلة، وليست موسمية مرتبطة بظهور راسبوتين مصري من وقت لآخر.