مع حلول الثاني عشر من يونيو من كل عام، تتجه أنظار العالم إلى واحدة من أكثر القضايا الإنسانية إلحاحًا، وهي قضية عمالة الأطفال، التي لا تزال تحرم ملايين الصغار من حقهم الطبيعي في التعليم والرعاية والحياة الآمنة.
دعوات دولية لحماية الأطفال
ويأتي الاحتفال باليوم العالمي لمكافحة عمل الأطفال ليجدد الدعوات الدولية لتعزيز الحماية القانونية والاجتماعية للأطفال، والتصدي لكافة أشكال الاستغلال التي تهدد مستقبلهم. ومنذ أن أطلقت منظمة العمل الدولية هذه المناسبة العالمية عام 2002، أصبح اليوم العالمي لمكافحة عمل الأطفال منصة دولية لتسليط الضوء على حجم الظاهرة وتداعياتها، وحشد الجهود الحكومية والمجتمعية للقضاء عليها، استنادًا إلى الاتفاقيات الدولية التي أرست قواعد حماية الأطفال من الاستغلال في سوق العمل، وفي مقدمتها الاتفاقيتين الدوليتين الخاصتان بالحد الأدنى لسن التشغيل والقضاء على أسوأ أشكال عمل الأطفال.
موقف الأمم المتحدة
وتنظر الأمم المتحدة إلى عمالة الأطفال باعتبارها أعمالًا تُحمّل الطفل أعباء تفوق قدراته وتعرض حياته ومستقبله للخطر، مؤكدة أن هذه الممارسات تمثل انتهاكًا مباشرًا لحقوق الطفولة. وتشمل أخطر صورها الاستعباد والاتجار بالبشر والعمل القسري، فضلًا عن إشراك الأطفال في النزاعات المسلحة أو الأنشطة غير المشروعة، إلى جانب الأعمال التي تعيق تعليمهم أو تضر بصحتهم الجسدية والنفسية.
الجهود الوطنية المصرية
وفي إطار الجهود الوطنية الرامية إلى حماية الأطفال، اتخذت الدولة المصرية خطوات جديدة لتعزيز الضمانات القانونية الخاصة بالطفولة. حيث أصدر وزير العمل حسن رداد القرار الوزاري رقم 50 لسنة 2026 بشأن تنظيم تشغيل وتدريب الأطفال، والذي يضع ضوابط واضحة لحمايتهم من الاستغلال ويمنع عملهم في المهن والأنشطة الخطرة.
ضوابط تشغيل الأطفال
ونص القرار على عدم جواز تشغيل الأطفال قبل استكمال مرحلة التعليم الأساسي أو بلوغ سن الخامسة عشرة، مع السماح بالتدريب المهني بدءًا من سن الرابعة عشرة وفق شروط وضوابط محددة تضمن الحفاظ على حق الطفل في التعليم وعدم تعريضه لأي مخاطر صحية أو نفسية. كما وضع القرار إطارًا صارمًا لساعات العمل المسموح بها للأطفال، بحيث لا تتجاوز ست ساعات يوميًا، مع حظر تشغيلهم لساعات إضافية أو خلال الإجازات الرسمية وأيام الراحة الأسبوعية، إلى جانب منع العمل الليلي خلال الفترة من السابعة مساءً وحتى السابعة صباحًا.
قائمة المهن المحظورة
وشملت الإجراءات الجديدة قائمة موسعة بالمهن المحظور تشغيل الأطفال فيها، من بينها الأعمال المرتبطة بالمناجم والمحاجر وبعض الصناعات الثقيلة والتعامل مع المواد الكيميائية والنفايات الخطرة، إضافة إلى تحديد الأوزان التي يمكن للأطفال حملها بما يتناسب مع قدراتهم البدنية، بما يضمن توفير بيئة عمل أكثر أمانًا.
منظومة الحماية الاجتماعية
وتؤكد وزارة العمل أن هذه التدابير تأتي ضمن رؤية أشمل لتعزيز منظومة الحماية الاجتماعية للأطفال، والحد من الاستغلال الاقتصادي، وترسيخ مبادئ العمل اللائق بما يحقق التوازن بين متطلبات التنمية وحقوق الفئات الأكثر احتياجًا للرعاية. وفي السياق ذاته، يواصل المجلس القومي للطفولة والأمومة دوره في تنسيق الجهود الوطنية لمواجهة الظاهرة، حيث شدد على أهمية توفير الحماية للأطفال من جميع أشكال العمل التي تؤثر على صحتهم أو تعليمهم أو نموهم الطبيعي.
دور المجلس القومي للطفولة والأمومة
وأكدت الدكتورة سحر السنباطي، رئيسة المجلس، أن الدولة المصرية تتبنى نهجًا متكاملًا لحماية الأطفال من الاستغلال الاقتصادي عبر التشريعات والبرامج الاجتماعية الداعمة للأسر، بما يسهم في معالجة الأسباب التي تدفع الأطفال إلى سوق العمل في سن مبكرة. وأوضحت أن القضاء على عمالة الأطفال لا يقتصر على الإجراءات الحكومية فقط، بل يتطلب شراكة حقيقية بين مؤسسات الدولة والمجتمع المدني والقطاع الخاص ووسائل الإعلام والمؤسسات التعليمية والدينية، بهدف رفع الوعي المجتمعي بمخاطر الظاهرة وآثارها الممتدة على مستقبل الأفراد والمجتمعات.
وفي إطار هذه الجهود، يشارك المجلس في تنفيذ الخطط الوطنية الرامية إلى القضاء على أسوأ أشكال عمل الأطفال، كما يساهم في إعداد المرحلة الجديدة من الاستراتيجية الوطنية للفترة من 2026 إلى 2030، لضمان استدامة التدخلات الوقائية والحماية الاجتماعية للأطفال وأسرهم. كما برزت جهود المجلس في التعامل مع بعض الظواهر المرتبطة بعمل الأطفال موسميًا، من خلال المشاركة في اجتماعات تنسيقية مع الجهات المعنية لمعالجة مشاركة الأطفال في بعض الأنشطة الزراعية، والعمل على وضع حلول عملية تحد من الظاهرة وتوفر بدائل أكثر أمانًا للأطفال.
ختامًا
ويبقى اليوم العالمي لمكافحة عمل الأطفال مناسبة لتجديد الالتزام الدولي والوطني بحماية الطفولة، والتأكيد على أن الاستثمار الحقيقي في المستقبل يبدأ من ضمان حق كل طفل في التعليم والحياة الكريمة بعيدًا عن أي شكل من أشكال الاستغلال أو الحرمان.



