8 آيات منسوخة في القرآن الكريم: مفهوم النسخ وأهميته في التشريع الإسلامي
يُعد مفهوم النسخ في القرآن الكريم والسنة النبوية من الموضوعات المهمة في علوم الشريعة الإسلامية، حيث يعني النسخ في الاصطلاح الشرعي رفع حكم دليل شرعي أو لفظه بدليل آخر من الكتاب أو السنة. وقد ثبت النسخ في القرآن الكريم كما جاء في قوله تعالى: "مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ" (البقرة: 106).
المقصود بالنسخ في الآية الكريمة
يشير أهل العلم بالإجماع إلى أن المقصود بالنسخ في هذه الآية هو نسخ الآيات القرآنية التشريعية، وليس الآيات الكونية أو المعجزات الربانية. وهذا المفهوم متفق عليه بين علماء الأمة دون خلاف يذكر.
أدلة وقوع النسخ من السنة النبوية
ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يدل على وقوع النسخ في القرآن الكريم والسنة النبوية:
- روى الإمام مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: "كان فيما أنزل من القرآن: عشر رضعات معلومات يحرمن، ثم نسخن، بخمس معلومات، فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهن فيما يقرأ من القرآن".
- كما روى مسلم عن بريدة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها"، وهذا الحديث يجمع الناسخ والمنسوخ في آن واحد.
حكم النسخ في القرآن الكريم وفوائده
يحتوي النسخ على حكم عظيمة وغالباً ما يكون تخفيفاً على المسلمين أو تكثيراً لأجورهم. وينقسم النسخ إلى عدة أنواع:
- نسخ اللفظ والحكم معاً
- نسخ اللفظ وبقاء الحكم
- نسخ الحكم وبقاء اللفظ
وقد ذكر ابن عبد البر رحمه الله أن الناسخ والمنسوخ إنما يكونان في الأوامر والنواهي من الكتاب والسنة، أما في الأخبار عن الله عز وجل أو عن رسوله صلى الله عليه وسلم فلا يجوز النسخ فيها البتة.
8 آيات منسوخة في القرآن الكريم بالتفصيل
1. آية الوصية للوالدين والأقربين
"كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ" (البقرة: 180).
نسخت هذه الآية بآيات المواريث، فلا وصية لوارث كالوالدين، أما الوصية للأقارب غير الورثة فتبقى محكمة غير منسوخة.
2. آية الفدية في الصيام
"وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ" (البقرة: 184).
نسختها الآية التي تليها مباشرة: "فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ" (البقرة: 185).
3. آية الوصية للأزواج
"وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ" (البقرة: 240).
نسختها آية العدة: "وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا" (البقرة: 234).
4. آيات عقوبة الفاحشة
"وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ" (النساء: 15-16).
نسخ حكم هاتين الآيتين بقوله تعالى: "الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ" (النور: 2)، وآية الرجم التي نسخ لفظها وبقي حكمها.
5. آية النهي عن الصلاة في حالة السكر
"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ" (النساء: 43).
نسختها آية تحريم الخمر: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ" (المائدة: 90).
6. آية نسبة القتال
"يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ" (الأنفال: 65).
نسختها الآية التالية: "الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ" (الأنفال: 66).
7. آية تقديم الصدقة قبل المناجاة
"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً" (المجادلة: 12).
نسختها الآية التي تليها: "أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ" (المجادلة: 13).
8. آيات قيام الليل في سورة المزمل
"يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ" (المزمل: 1-4).
نسختها الآية الموجودة في آخر السورة: "إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ" (المزمل: 20).
الحكمة من النسخ في التشريع الإسلامي
يحتوي النسخ على حكم عظيمة تتمثل في:
- التخفيف على المسلمين وتيسير أمورهم
- مراعاة ظروف الناس وتطور أحوالهم
- تكثير الأجور والثواب للمؤمنين
- إظهار رحمة الله تعالى بعباده
- التدرج في التشريع بما يناسب حال المخاطبين
ويبقى القرآن الكريم محفوظاً بحفظ الله تعالى، والنسخ فيه من تمام حكمته سبحانه، حيث ينسخ ما يشاء ويبدل بما هو خير للمسلمين وأصلح لأحوالهم، وهو دليل على كمال التشريع الإسلامي ومرونته التي تتناسب مع كل زمان ومكان.