لم يعد تقييم الأداء الاقتصادي للدول يُقاس بمعدلات النمو أو التضخم فقط، بل بقدرتها على الصمود أمام الصدمات وإعادة تمركزها داخل سلاسل القيمة العالمية. ويبرز الاقتصاد المصري كنموذج لدولة تتحرك بين تحديات إقليمية، في وقت تحاول فيه الانتقال من نموذج اقتصادي تقليدي قائم على الخدمات والتدفقات إلى نموذج إنتاجي صناعي تصديري أكثر استدامة.
تحسن مؤشرات الاقتصاد الكلي
تراجع معدل التضخم من مستويات قاربت 38% في 2023 إلى نحو 10-12% مؤخراً، وهو ما يعكس نجاحاً في أدوات السياسة النقدية، خاصة في ظل رفع أسعار الفائدة وتشديد السياسة النقدية. كما ارتفع الاحتياطي النقدي إلى حدود 53 مليار دولار، مما يوفر غطاءً يتجاوز 6 أشهر من الواردات. ولكن هذا التحسن لا يعكس تحولاً هيكلياً كاملاً، إذ لا تزال مصادر العملة الأجنبية تعتمد بدرجة كبيرة على تحويلات العاملين بالخارج والسياحة وقناة السويس والتدفقات الرأسمالية، وهي مصادر تتسم بدرجة من الحساسية للصدمات الخارجية.
تحديات الدين والضغوط المالية
يواجه الاقتصاد المصري تحديات في إدارة الدين، حيث يقدر الدين الخارجي بنحو 165 مليار دولار، بينما تستهلك خدمة الدين ما يقرب من نصف الإنفاق العام. وتزداد هذه الضغوط في ظل بيئة دولية تتسم بارتفاع أسعار الفائدة، حيث تتحول الاستدامة المالية من مجرد هدف محاسبي إلى ضرورة استراتيجية.
الجغرافيا السياسية وتأثيرها على الاقتصاد
تعتبر الجغرافيا السياسية وتطورات البحر الأحمر ومضيق هرمز نموذجاً واضحاً لكيفية تحول الجغرافيا من ميزة إلى مصدر ضغط. فقد تأثرت إيرادات قناة السويس التي سجلت نحو 9.4 مليار دولار في 2023 بتغير مسارات التجارة العالمية نتيجة المخاطر الأمنية. وفي الوقت ذاته تؤدي التوترات الإقليمية إلى رفع تكاليف التأمين والشحن وزيادة أسعار الطاقة واضطراب سلاسل الإمداد، وهو ما ينعكس مباشرة على الاقتصاد المصري، سواء عبر التضخم المستورد أو تراجع موارد النقد الأجنبي.
التحولات العالمية وفرص مصر
يشهد العالم تحولاً من نموذج العولمة التقليدية إلى نموذج يقوم على إعادة توطين الصناعات وتقليل الاعتماد على سلاسل الإمداد الطويلة وعسكرة الاقتصاد العالمي. وهذا التحول يخلق فرصة لمصر في ظل وجود منافسة مع اقتصادات صاعدة، مثل المغرب وتركيا وفيتنام. تمثل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس إحدى أهم أدوات مصر في التحول الإنتاجي، ونجحت في جذب استثمارات تقدر بنحو 15 مليار دولار في قطاعات متنوعة، منها الطاقة الخضراء والصناعات الهندسية. ولكن التحدي الرئيسي لم يعد في جذب الاستثمارات بل في تعميق التصنيع المحلي، وزيادة نسبة المكون المحلي وربط هذه الاستثمارات بسلاسل التوريد الوطنية، بمعنى آخر، الانتقال من «تجميع القيمة» إلى «خلق القيمة».
مقترحات للتحول الهيكلي للاقتصاد
- استراتيجية «التصنيع المرتبط بالتصدير»: ربط الحوافز الصناعية بمعدلات التصدير ونسبة المكون المحلي.
- التحول إلى مركز إقليمي للطاقة: استغلال موقع مصر في تجارة الغاز والطاقة المتجددة والتوسع في مشروعات الهيدروجين الأخضر.
- بناء سلاسل توريد محلية: دعم الصناعات المغذية وتقليل الاعتماد على الواردات وإصلاح سوق العمل بتطوير التعليم الفني.
- تعظيم الاستفادة من السياسة الخارجية: تنويع الشراكات الاقتصادية واستخدام العلاقات الدولية كأداة لجذب الاستثمار ونقل التكنولوجيا.
سيناريوهات المستقبل
توازن بين الحفاظ على الاستقرار مع بقاء الاختلالات الهيكلية أو سيناريو التحول عبر بناء اقتصاد إنتاجي قادر على المنافسة والتصدير. والفارق بينهما لا يرتبط فقط بالموارد بل بقدرة السياسات على تحقيق التكامل بين الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. لم يعد كافياً تحقيق الاستقرار أو إدارة الأزمات، بل أصبح المطلوب هو إعادة بناء النموذج الاقتصادي ذاته. تملك مصر مقومات التحول، لكن تفعيل هذه المقومات يتطلب رؤية متكاملة وسياسات متناسقة. وفي عالم يتجه نحو اقتصاد الصمود، لن تكون الأفضلية لمن يملك الموارد فقط، بل لمن يستطيع توظيفها في بناء اقتصاد إنتاجي قادر على التكيف والمنافسة وتحويل التحديات إلى فرص مستدامة.



