دراسة ميدانية تكشف مفارقة: استهلاك الغذاء يرتفع في رمضان رغم الصيام
أكد الدكتور عبد النبي عبد المطلب، الخبير الاقتصادي البارز، أن الدراسات الميدانية التي أُجريت حول أنماط الاستهلاك خلال شهر رمضان المبارك كشفت عن تحولات لافتة في سلوك المستهلك المصري. وأوضح أن النتائج أظهرت مفارقة واضحة؛ فبالرغم من أن رمضان هو شهر الصوم والعبادة، إلا أن الاستهلاك الفعلي لمختلف السلع الغذائية يرتفع بنسبة تتراوح بين 20% إلى 35%، وقد تزيد هذه النسبة في بعض السلع بشكل ملحوظ.
تفاصيل الدراسة: ثلاث سنوات من الرصد الدقيق
أشار الدكتور عبد النبي في تصريحات خاصة إلى أنه أشرف شخصيًا على دراسة استمرت ثلاث سنوات متواصلة، بدءًا من عام 2019 وحتى عام 2023، بهدف رصد تطور معدلات الاستهلاك خلال الموسم الرمضاني. وشدد على أن الأمر لا يتعلق بمجرد زيادة في الطلب فحسب، بل بارتفاع في الاستهلاك الفعلي على أرض الواقع، وهو ما يبدأ مبكرًا منذ شهر شعبان، وينعكس بدوره على مستويات الأسعار في السوق.
السلع الأكثر استهلاكًا: السكر والحبوب في المقدمة
أوضح الخبير الاقتصادي أن السكر ومنتجاته يتصدران قائمة السلع الأكثر زيادة في الاستهلاك، سواء في صورته الأساسية أو من خلال الحلويات التي يدخل في صناعتها، حيث يُعد مكونًا رئيسيًا في أغلب الأصناف الرمضانية التقليدية. ويليه في الأهمية مجموعة الحبوب، وعلى رأسها الأرز والدقيق وبعض الحبوب الأخرى، إلى جانب القمح باعتباره من الفئة نفسها.
كما ترتفع معدلات استهلاك اللحوم والدواجن بصورة ملحوظة، وكذلك المخبوزات والكنافة والقطايف، فضلًا عن زيادة استهلاك السمن والزيوت. وأضاف أن الخضروات تمثل مجموعة أخرى تشهد ارتفاعًا في الاستهلاك، وفي مقدمتها الطماطم، التي تُعد عنصرًا أساسيًا على المائدة المصرية خلال الشهر الكريم.
وأكد أن الصورة العامة تشير إلى أن أغلب السلع الاستهلاكية تشهد زيادة، إلا أن اللحوم والدواجن والسكر والحبوب تتصدر القائمة، تليها الخضروات وفي مقدمتها الطماطم.
تحول في دور المؤسسات والأفراد: من الإعانات إلى الحملات الموسعة
كشف الدكتور عبد النبي أن الدراسة تناولت أيضًا جانبًا يتعلق بمؤسسات العمل الأهلي، موضحًا أنه خلال الفترة الأولى كان الإقبال المؤسسي يقتصر بدرجة كبيرة على بنك الطعام وبعض الجمعيات الخيرية التي كانت تزيد مشترياتها لتوفير إعانات للأسر الأكثر احتياجًا، بينما كانت الدولة وبعض مؤسساتها تتولى توزيع شنط أو كراتين رمضان بشكل أساسي.
وقال إنه بعد عام 2020، تم رصد تحول واضح، حيث زاد إقبال الجمعيات والمؤسسات والأفراد على شراء السلع الغذائية والسلع الرمضانية مثل الياميش والبلح والزبيب وبعض أنواع المكسرات – وإن لم تكن الفاخرة منها – إلى جانب المشروبات الرمضانية. وأوضح أن هذا التوسع لم يعد قاصرًا على المؤسسات، بل شمل أسرًا عادية باتت تُعد بنفسها شنط رمضان لتوزيعها في محيطها الاجتماعي.
وتابع أن المشهد تطور بصورة أكبر في السنوات الأخيرة، حيث باتت الجمعيات ومؤسسات المجتمع المدني في كل منطقة تقريبًا تنظم حملات تبرع موسعة، وأصبحنا نسمع منذ شهر رجب دعوات في المساجد للتبرع من أجل تمويل شنط رمضان.
وأكد عبد النبي أن هذا التوسع الكبير في حجم المشتريات، سواء من جانب الأفراد أو المؤسسات أو الجمعيات، يضيف طلبًا فعليًا ضخمًا على السوق في فترة زمنية قصيرة، وهو ما يؤدي بطبيعة الحال إلى زيادة الأسعار، في ظل ارتفاع الاستهلاك الكلي بنسبة تتراوح بين 20% و35%.
أشكال الاستغلال في رمضان: من رفع الأسعار إلى الغش التجاري
وحول أشكال الاستغلال التي يمكن أن نجدها في رمضان، قال إن الأمر لا يقتصر على رفع الأسعار فقط، بل يمتد إلى استغلال الجودة ذاتها، خاصة مع تزايد الإقبال على شراء شنط وكرتونات رمضان من قبل الأفراد والمؤسسات قبل الشهر الكريم. وأوضح أن المؤسسات غالبًا ما تمتلك قدرة أكبر على التفاوض مع الموردين، لكن الأفراد يطلبون شنطًا جاهزة دون فحص كل سلعة، ما يفتح الباب أمام احتمالات الغش التجاري.
وأشار إلى أن أحد أهم أشكال الاستغلال قد يتمثل في بيع سلع من الدرجة الثانية بأسعار سلع الدرجة الأولى، دون إعلان صريح، بحيث لا يرفع التاجر السعر رسميًا، لكنه يقدم جودة أقل ويحقق فرق السعر لنفسه. كما يظهر الاستغلال في صورة اختفاء نسبي لبعض السلع أو تقليل المعروض منها نتيجة السحب الكبير من السوق، بما يشبه “تعطيش السوق”، وهو ما يدفع المشترين للقبول بأسعار أعلى دون اعتراض واضح.
وأضاف أن من أبرز الممارسات المنتشرة أيضًا تقليل أوزان العبوات مع الحفاظ على الشكل والسعر تقريبًا، فبدلًا من عبوة زيت سعة لتر، ظهرت عبوات 900 جرام ثم 800 و750 و700 مللي، وكذلك السكر الذي لم يعد “الكيلو” فيه يعني ألف جرام، بل ظهرت عبوات 950 و800 و750 و700 جرام، وهو أسلوب يعتمد على تغيير الوزن الصافي دون أن ينتبه المستهلك بسهولة.
السلع التي تحتاج إلى رقابة مشددة خلال الشهر الكريم
وشدد على أن السلع التي تحتاج إلى رقابة مشددة خلال الشهر الكريم هي كل السلع الغذائية دون استثناء، لأن المستهلك يكون في حاجة ملحة للشراء، ولا يمتلك الوقت الكافي للمفاضلة بين الأسعار أو فحص الجودة. وأشار إلى انتشار سلع تُباع دون تاريخ صلاحية واضح، أو تُعرض بالكيلو بشكل غير معبأ أو مغلف، سواء في محال صغيرة أو أحيانًا في منافذ توزيع كبيرة، بما يشمل الحبوب والمجمدات وبعض اللحوم والأسماك التي قد لا تحمل بيانات عن تاريخ الإنتاج أو الصلاحية أو بلد المنشأ.
الآليات الرقابية المطلوبة لضبط السوق
وفيما يتعلق بالآليات الرقابية، أكد الدكتور عبد النبي أن الأمر يتطلب تفعيلًا جادًا للأدوات القائمة، من خلال تكثيف حملات التفتيش التمويني والصحي، والتأكد من الالتزام بالأسعار والاشتراطات الصحية، إلى جانب تفعيل أرقام ساخنة واضحة ومعلنة لتلقي شكاوى المواطنين بشأن حالات الغش أو الاحتكار أو اختفاء السلع، مع ضرورة التعامل الفوري مع البلاغات وإعلان نتائجها لردع المخالفين.
دور القطاع الخاص في ضبط الأسعار
أما بشأن دور القطاع الخاص في ضبط أسعار السلع الغذائية خلال الشهر الكريم، أوضح الدكتور عبد النبي أن التعاون مع الحكومة لضبط الأسعار ليس بالأمر السهل، لأن الربح يظل المحرك الأساسي للتجار، ومن غير الواقعي توقع عدم رفع الأسعار في ظل زيادة الطلب. لكنه أشار إلى إمكانية تحقيق توازن عملي من خلال آليات تحفيزية، مثل توفير الشوادر والمساحات لإقامة معارض “أهلًا رمضان” مجانًا، إلى جانب توفير خدمات الكهرباء والمياه دون مقابل، بما يقلل التكلفة التشغيلية على التاجر ويتيح عرض السلع بأسعار أكثر اعتدالًا.
خاتمة: نحو سياسات عملية لاستقرار الأسعار
واختتم الدكتور عبد النبي بالتأكيد على أن استقرار الأسعار في رمضان لا يتحقق بالشعارات، بل عبر سياسات عملية تقوم على تحفيز منضبط، ورقابة فعالة، وتكامل أدوار بين الدولة والقطاع الخاص، بما يضمن توفير الكميات المطلوبة بأسعار معقولة دون الإخلال بقواعد السوق.