في ظل التحول المتسارع نحو الرقمنة وتوسع مظلة الشمول المالي، أصبح النظام البنكي بمثابة العمود الفقري للحياة الاقتصادية اليومية، ليس فقط كأداة لتنفيذ المعاملات، بل كمنظومة متكاملة ترتبط بثقة المواطنين واستقرار الأسواق. ومع تزايد الاعتماد على الخدمات المصرفية الرقمية، لم تعد الأعطال التقنية مجرد خلل عابر، بل تحولت إلى أزمة متعددة الأبعاد تكشف عن فجوات هيكلية في البنية التحتية، وكفاءة الإدارة، وجاهزية الأنظمة لمواكبة النمو المتسارع.
تحديات تواجه الأنظمة الحالية
قالت الدكتورة يمن الحماقي، أستاذ الاقتصاد بجامعة عين شمس، إن التوسع في الشمول المالي والاعتماد الكبير على الخدمات الرقمية تسببا في ضغط كبير على البنية التكنولوجية للبنوك المصرية، مما يكشف عن التحديات المتعلقة بقدرة الأنظمة الحالية على استيعاب هذا النمو المتزايد.
تأثير أعطال ماكينات الصراف الآلي على السيولة وثقة العملاء
وعن تأثير أعطال ماكينات الصراف الآلي، أوضحت الحماقي أن هذه المشكلات لا تقتصر على تعطيل مصالح العملاء وعدم قدرتهم على الحصول على أموالهم فقط، بل تؤثر بشكل أكبر على مستوى السيولة اليومية وأيضا على ثقة العملاء في الجهاز المصرفي. وتابعت قائلة إن كفاءة المنظومة المصرفية ترتبط بالانخراط مع الأنظمة المالية العالمية، لافتة إلى أن محدودية هذا الانخراط لدى بعض البنوك يمكن أن تؤثر على كفاءة سرعة نقل البيانات وتنفيذ المعاملات، خاصة في ظل الاعتماد الكبير على التكنولوجيا.
الشبكات المصرفية تستوعب عددًا محدودًا من العملاء
وفي السياق نفسه، قال الخبير الاقتصادي الدكتور هشام حمزة إن الشبكات المصرفية في مصر صُممت لاستيعاب عدد محدد من العملاء، إلا أن الواقع الحالي يشهد ضغطًا يفوق هذه القدرة بكثير. وأوضح أن أغلب البطاقات البنكية ترتبط بصرف الرواتب والمعاشات، مما يؤدي إلى تركز عمليات السحب في توقيتات محددة، خاصة خلال الأيام الثلاثة الأخيرة من كل شهر وأول يومين من الشهر الجديد، وهو ما يمثل ضغطًا استثنائيًا على ماكينات الصراف الآلي وفروع البنوك.
وأوضح حمزة أن بعض البنوك استطاعت التعامل مع الأزمة بفضل امتلاكها أنظمة بديلة وخطط لاستمرارية الأعمال، مثل تشغيل الأنظمة من مواقع احتياطية واستخدام خوادم للطوارئ، وهو ما يعرف بأنظمة التعافي من الكوارث، مما مكنها من مواصلة العمل ولو بشكل جزئي دون توقف كامل للخدمات.
الأعطال تؤثر مباشرة على ثقة العملاء
وأوضح أن الأعطال في ماكينات الصراف الآلي تؤثر بشكل مباشر على ثقة العملاء، خاصة خلال فترات الذروة، حيث تظهر طوابير انتظار لصرف الرواتب والمعاشات. لكنه أشار في الوقت نفسه إلى أن نقص السيولة في بعض الأحيان لا يرتبط فقط بالاتصالات، بل قد يكون نتيجة تأخر عمليات تغذية الماكينات بالنقد، والتي تتم من خلال شركات متخصصة، خاصة خلال فترات الإجازات.
الحلول المقترحة
وعن الحلول، شدد حمزة على أهمية إجراء تحديثات دورية للأنظمة مع اختبارها بشكل كاف قبل تطبيقها الفعلي، مع ضرورة تجنب تنفيذ أي تحديثات خلال فترات الذروة. كما أكد ضرورة استعداد البنوك بخطط طوارئ فعالة، تتضمن وجود خوادم بديلة، وإجراء عمليات أرشفة مستمرة، إلى جانب الرقابة الدائمة على أداء الأنظمة وقياس قدرتها الاستيعابية.
واختتم تصريحاته بالتأكيد على أهمية تنويع أنظمة تشغيل العمليات المصرفية داخل البنوك، بحيث لا تعتمد جميع الخدمات على نظام واحد، بما يحقق إدارة أفضل للمخاطر ويضمن استمرارية الخدمة في حال تعطل أحد الأنظمة، رغم ما يفرضه ذلك من أعباء إضافية على إدارات تكنولوجيا المعلومات. كما شدد على أهمية رفع الوعي المصرفي لدى المواطنين، وتقليل الاعتماد على النقد، والتوسع في استخدام وسائل الدفع الإلكتروني والتحويلات، بما يسهم في تخفيف الضغط على الشبكات وتقليل الأزمات بنسبة كبيرة.



