موسم الحج 2026: أسماء بئر زمزم وأسرارها وقصة إعادة حفرها
أسماء بئر زمزم وأسرارها وقصة إعادة حفرها

في إطار الاستعدادات لموسم الحج 2026، تناولت وزارة الأوقاف المصرية قصة بئر زمزم المباركة، موضحة الأسماء التي أطلقت عليها منذ عصر الجاهلية، وقصة إعادة حفرها إثر رؤيا جد النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

أسماء زمزم ودلالاتها

أوضحت وزارة الأوقاف من خلال موقعها الإلكتروني أن المتأمل في عظمة هذا النبع المبارك يدرك أن تجليات العناية الإلهية قد أحاطته بهالة من التشريف، تجسدت جليًا في تنوع نعوته وتعدد صفاته. فالمقرر عند أرباب البيان أن كثرة الأسماء ليست لغوًا، بل هي برهان ساطع على رفعة الشأن وجلالة القدر. ومن هنا، روى الفاكهي عن أشياخ مكة أن لزمزم أسماء كثيرة تزيد على العشرين، وهي: (زمزم، وهزمة جبريل، وسقيا الله إسماعيل، وبركة، وسيدة، ونافعة، ومضمونة، وعونة، وبشرى، وصافية، وبَرَّة، وعصمة، وسالمة، وميمونة، ومباركة، وكافية، وعافية، ومغذية، وطاهرة، وحرمية، ومروية، ومؤنسة، وطعام طُعْم، وشفاء سُقْم).

وسُميت أيضًا "ظبية"، ورد في الحديث عن بدء شأن البئر أن عبد المطلب بن هاشم أُتي في منامه، وقيل له: "احفر ظبية"؛ وظبية - بالظاء المعجمة والباء الموحدة - قال ابن الأثير: "سميت بها تشبيهًا بالظبية الخريطة - وهي الوعاء الذي يحفظ فيه الرجل متاعه".

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

وسُميت في الجاهلية "سد الخلة" و"شباعة العيال"؛ وذلك لأن أهل العيال منهم كانوا يفدون إليها لعيالهم فينيخون عليها، فتكون صبوحًا كافيًا لهم يغنيهم عن الطعام ويشبعهم.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

ماء زمزم عبر التاريخ.. قصة الهجرة وسقيا زمزم

أوضحت الوزارة أن قصة البئر بدأت حين هاجر الخليل إبراهيم - عليه السلام - بابنه إسماعيل وأمه هاجر إلى جبال فاران، وهي أرض مكة؛ وذلك حين اشتدت غيرة سارة، فأوحى الله إليه أن يأتي بهما إلى مكة، وليس بها يومئذ نبت ولا ماء. وروى ابن إسحاق "أن إبراهيم خرج ومعه جبريل، فكان لا يمر بقرية إلا سأل: أبهذه أمرت؟ فيقول جبريل: امضه، حتى قدم مكة وهي ذات عِضاهٍ وسَلَمٍ وسَمُر، وبها العماليق خارجها، وكان موضع البيت ربوة حمراء، فأنزلهما عند موضع الحِجر، وأمر هاجر أن تتخذ عريشًا، ثم قفّى راجعًا إلى الشام". وهنا تبعته أم إسماعيل قائلة: "يا إبراهيم، أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه إنس ولا شيء؟" فلما لم يلتفت، قالت: "آلله أمرك بهذا؟" قال: "نعم"، قالت: "إذن لا يضيعنا". ثم انطلق إبراهيم حتى إذا كان عند الثنية استقبل البيت ودعا بدعائه الخالد: ﴿رَّبَّنَاۤ إِنِّیۤ أَسۡكَنتُ مِن ذُرِّیَّتِی بِوَادٍ غَیۡرِ ذِی زَرۡعٍ عِندَ بَیۡتِكَ ٱلۡمُحَرَّمِ﴾. نفد الماء وعطش الغلام، فجعلت هاجر تسعى بين الصفا والمروة كراهية أن تنظر إليه وهو يتلوى، ففعلت ذلك سبع مرات (وهو أصل سعي الناس اليوم)، فلما كانت عند المروة سمعت صوتًا، فإذا هو الملك عند موضع زمزم، فبحث بعقبه -أو بجناحه- حتى ظهر الماء، فجعلت تغرف في سقائها وهو يفور، فقال لها الملك: "لا تخافي الضيعة، فإن هاهنا بيت الله يبنيه هذا الغلام وأبوه". وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «يَرْحَمُ اللهُ أُمَّ إِسْمَاعِيلَ لَوْلَا أَنَّهَا عَجِلَتْ لَكَانَ زَمْزَمُ عَيْنًا مَعِينًا».

إعادة حفر زمزم من رؤيا عبد المطلب إلى سيادة السقاية

ذكرت الأوقاف قصة إعادة حفر بئر زمزم، قائلة: بمرور السنوات، تعرضت البئر للردم والإخفاء نتيجة السيول والصراعات، وظل مكانها مجهولًا لقرون طويلة حتى قيض الله لها عبد المطلب بن هاشم جد حضرة النبي - صلى الله عليه وسلم - إذ اختصه الله بإعادة حفر البئر بعد رؤيا صادقة حددت له مكانها (بين الفَرث والدم، عند قرية النمل، حيث ينقر الغراب الأعصم)؛ فقام ومعه ابنه الحارث وحفر حتى ظهر طوي البئر ونبع ماؤها مجددًا. وبعد نزاع مع قريش، تجلت آية الله بسقيا عبد المطلب من نبع تحت خف ناقته في رحلة الاحتكام؛ فعرفوا فضله، وبقيت السقاية في آله حتى ورثها العباس بن عبد المطلب - رضي الله عنه.

الفضائل الروحية والخصائص التعبدية لماء زمزم

أشارت الوزارة إلى أن بركتها تجلت في كفايتها للنبي - صلى الله عليه وسلم - منذ صغره؛ فقد قالت أم أيمن حاضنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم: "ما شكي محمد - صلى الله عليه وسلم - جوعًا قط ولا عطشًا، وكان يغدو إذا أصبح فيشرب من ماء زمزم، فربما عرضنا عليه الغداء فيقول: أنا شبعان".

بركة الاستشفاء والري والعلم

إن العمدة في فضلها قول المصطفى - صلى الله عليه وسلم -: «ماءُ زمزمَ لما شُرِبَ لَهُ»؛ فمن شربه يستشفي شفاه الله، ومن شربه لشبعه أشبعـه الله، وكان ابن عباس - رضى اللّه عنهما - إذا شرب ماء زمزم قال: "اللهم إني أسألك علمًا نافعًا، ورزقًا واسعًا، وشفاءً من كلِ داء". وعن أبي بكر الدِينَوَري، أن سفيان بن عيينة حدَّث بحديث: «مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ»، فقام رجل من المجلس ثم عاد، فقال: يا أبا محمد، أليس الحديث الذي حدثتنا به في زمزم صحيحًا؟ قال: نعم، قال الرجل: فإني شربت الآن دلوًا من زمزم على أنك تحدثني بمائة حديث، فقال له سفيان: اقعد، فقعد فحدثه بمائة حديث.

غذاء يغني عن الطعام

تعد بئر زمزم مادة غذائية متكاملة وهبها الله خاصية الإشباع والريّ معًا؛ فمن عظيم فضلها ومما جُرب من بركتها أنك إن شربته ليشبعك أشبعك الله، مصداقًا لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «خَيرُ ماءٍ على وجْهِ الأرضِ ماءُ زَمْزَمَ، فِيه طعامٌ من الطُّعْمِ»، فهي لا تروي الظماء فحسب، بل تمد البدن بالقوة وتغني عن الزاد، كما حدث مع أبي ذر الغفاري رضي الله عنه حين عاش عليها شهرًا كاملًا.

المنزلة التعبدية

ذكرت الوزارة أن ماء زمزم هو الماء الذي اختاره الله ليغسل به الملائكة صدر المصطفى - صلى الله عليه وسلم - في كل حادثة كشق الصدر، وليلة الإسراء والمعراج، قال - صلى الله عليه وسلم -: «أُتِيتُ ليلةَ أُسرِيَ بي، فانطُلِقَ بي، إلى زمزمَ فشرح عن صدري، ثم غُسِلَ بماء زمزمَ». والنظر إليها عبادة تحط الخطايا، وهي علامة فارقة؛ إذ لا يستطيع المنافق التضلع منها عن ابن عباس- رضي الله عنهما – أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «التضلُّعُ من ماءِ زمزمَ براءةٌ من النفاقِ».

الأحكام الفقهية لماء زمزم ولطائف الاستعمال

وضع الفقهاء ضوابط دقيقة لاستعمال ماء زمزم تعظيمًا لقدره وتشريفًا لمكانته، وقد انقسمت هذه الاستعمالات إلى أمرين:

الاستعمال في الطهارة (الوضوء والاغتسال)

ذهب جمهور الفقهاء إلى أن استعمال ماء زمزم في الوضوء والغسل أمرٌ جائزٌ لا كراهة فيه، بل هو مستحبٌّ عند كثيرين لنيل البركة، وتفصيل ذلك:

  • عند السادة الحنفية: يجوز الوضوء والغسل به بلا كراهة، بل إن الثواب فيه يكون أعظم لفضل الماء وشرفه، وقيّده البعض بمن كان على طهارة أصلًا لزيادة التبرك.
  • عند السادة المالكية: يُستحب لكل من رُزق سكنى مكة أو زيارتها أن ينهل من بركته شربًا ووضوءًا واغتسالًا.
  • عند السادة الشافعية: لا كراهة مُطلقًا في استعماله للطهارة الصغرى أو الكبرى.
  • عند السادة الحنابلة: استقر المذهب على عدم كراهة الوضوء والغسل منه، غير أن الإمام أحمد كره الغسل (للجنابة) تعظيمًا لقول العباس رضي الله عنه: "أحلها لمغتسل، لكن لمحرم حل وبل"، وردَّ ابن قدامة على قول العباس بأن شرف الماء وفضله لا يمنع من التعبد به (كالوضوء)، بل هو أولى، كالمياه التي مسها كف النبي - صلى الله عليه وسلم.

الاستعمال في إزالة النجاسة والاستنجاء

هنا يقف الفقهاء وقفة إجلال لهذا الماء المبارك، ففرقوا بين طهارة البدن وبين إزالة القذر، فمنعوا استعماله فيما فيه امتهان للماء:

  • الكراهة والتحريم: قرر السادة الحنفية كراهة الاستنجاء به أو غسل الثياب المتنجسة، بل نقلوا عن بعض العلماء القول بالحرمة صونًا لكرامة الماء.
  • صيانة الماء عن المواضع المهينة: شدد المالكية على عدم إدخال ماء زمزم للمراحيض أو خلطه بالنجاسات أو الاغتسال به في الحمامات العامة، وأجازوه فقط لمن سَلُمت أعضاؤه من النجاسة الحقيقية.
  • التعليل بكونه طعامًا: ويرى بعض المالكية أن وصفه بالطعام في السنة يقتضي حرمة استعماله في إزالة النجاسات لا مجرد الكراهة.
  • التشريف عند الشافعية والحنابلة: اتفقوا على كراهة إزالة النجاسة به تشريفًا لمكانته، فالمقام مقام تعظيم لا امتهان، وأكد ذلك البهوتي بقوله "تشريفًا له".

وكعادة الفقه الإسلامي في التيسير، فإن الكراهة ليست حكمًا مؤبدًا إذا ضاق الأمر، فإذا تعين ماء زمزم ولم يوجد غيره لإزالة نجاسة، زالت الكراهة؛ لأن الكراهة تزول بأدنى حاجة كما هي القاعدة المستقرة.

التبرك في الحياة والممات

نصَّ الفقهاء على أن ماء زمزم يُندب نقله، وأن خاصيته وبركته باقية ومصاحبة له في حله وترحاله، ردًا على من توهم زوال تلك الخصائص بمجرد خروجه من مكة، واستدلوا بفعل أمنا عائشة - رضي الله عنها – حيث "كانت تحملُ من ماءِ زمزمَ، وتخبرُ أنَّ رسولَ اللهِ - صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ - كان يحملُه".

توزيع ماء زمزم

ومن هنا استحب العلماء نقل الماء إلى الأوطان بقصد التبرك وإفادة الأهل والأصحاب ممن لم يزوروا البيت الحرام، وقال المُلّا علي القاري: "نقل ماء زمزم بقصد التبرك به هو أمر مندوب إليه ومحل اتفاق بين علماء الأمة لعموم نفع الماء وبركته".

غسل الموتى

سنّ أهل مكة جعل آخر غسلة للميت بماء زمزم تبركًا ورجاء البركة للميت في قبره، كما فعلت السيدة أسماء بنت أبي بكر- رضي الله عنهما - مع ابنها عبد الله بن الزبير - رضي الله عنهما.

بئر زمزم.. آية باقية

أكدت الأوقاف أن بئر زمزم ستظل آيةً باقيةً، وشاهدةً على صدق الوعد الإلهي؛ تروي ظمأ الأجيال يقينًا واستشفاءً، وتتجدد بفيضها معجزات النبوة في كل عصر؛ فما أعظمها من نعمة، وما أجله من فيض؛ سقانا الله وإياكم من حوض نبيه - صلى الله عليه وسلم - شربةً لا نظمأ بعدها أبدًا.