في الوقت الذي راهن فيه المستثمرون مطلع العام على استمرار ضعف الدولار واستفادة عملات الأسواق الناشئة من دورة التيسير النقدي الأمريكية، جاءت التطورات الأخيرة لتقلب المشهد بالكامل. شهدت الأسواق تحولا ملحوظا بعد تبني مجلس الاحتياطي الفيدرالي نبرة أكثر تشددا تجاه السياسة النقدية، وتزايدت رهانات المستثمرين على رفع أسعار الفائدة الأمريكية خلال الأشهر المقبلة، مما عزز جاذبية الأصول المقومة بالدولار على حساب العملات الأخرى.
تحول كبير في توجهات المستثمرين
هذا التحول، وفقا لصحيفة «فايننشال تايمز»، دفع المستثمرين إلى إعادة تقييم مراكزهم الاستثمارية، خاصة في الأسواق التي استفادت سابقا من توقعات خفض الفائدة الأمريكية. وقد بدأت موجة بيع واسعة لبعض العملات المرتبطة بالسلع والأسواق الناشئة، مما أدى إلى خسائر جماعية.
خسائر جماعية لعملات الأسواق الناشئة
خلال الأسابيع الأخيرة، تعرضت عدة عملات لضغوط قوية، حيث تراجع الريال البرازيلي والدولار الأسترالي والوون الكوري الجنوبي بأكثر من 2% أمام الدولار، بينما هبطت الكرونة النرويجية بأكثر من 4%. ويعكس هذا الأداء تراجع شهية المستثمرين تجاه الأصول ذات المخاطر الأعلى، مع انتقال السيولة تدريجيا نحو الدولار الذي بات يوفر عوائد أكثر جاذبية مع ارتفاع أسعار الفائدة الأمريكية.
انحسار جاذبية تجارة الفائدة
كانت استراتيجية «المضاربة على فروق أسعار الفائدة» من أكثر الرهانات ربحية خلال الفترة الماضية، إذ يقترض المستثمرون بالدولار للاستثمار في دول ذات عوائد مرتفعة مثل البرازيل، التي تبلغ فيها أسعار الفائدة الأساسية 14.25%. لكن ارتفاع العوائد الأمريكية وقوة الدولار أدى إلى تقليص الفارق بين الأسواق، مما دفع العديد من المستثمرين إلى إغلاق هذه المراكز وتقليل تعرضهم للعملات الناشئة.
الحرب والتضخم يدعمان الدولار
ساهم استمرار التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط وارتفاع معدلات التضخم الأمريكية فوق مستوى 4% في دعم العملة الأمريكية. كما عززت قوة الاقتصاد الأمريكي من ثقة المستثمرين في الأصول الدولارية مقارنة بالبدائل الأخرى. في المقابل، استفادت بعض الدول المستوردة للطاقة مثل الهند وإندونيسيا والفلبين من إجراءات نقدية ومالية ساعدت عملاتها على تحقيق أداء أفضل نسبيا رغم التقلبات العالمية.
آفاق الأسواق الناشئة
رغم الضغوط الأخيرة، يرى مديرو الصناديق أن أساسيات العديد من الاقتصادات الناشئة أصبحت أكثر قوة مقارنة بما كانت عليه خلال أزمات 2022 و2023. فقد ارتفعت الاحتياطيات الأجنبية وتحسنت السياسات المالية والنقدية، مما قلل من هشاشة هذه الأسواق أمام صدمات الدولار. مع استمرار ارتفاع مؤشر سندات العملات المحلية للأسواق الناشئة بنسبة 2% منذ بداية العام، يبقى السؤال مفتوحا حول قدرة هذه الاقتصادات على الحفاظ على جاذبيتها إذا استمر الاحتياطي الفيدرالي في تشديد سياسته النقدية خلال الفترة المقبلة.



