العجز المائي يدفع نحو التحول للري الحديث
تواجه مصر عجزًا مائيًا كبيرًا يصل إلى نحو 55% من إجمالي الاحتياجات السنوية البالغة 120 مليار متر مكعب، بينما حصة مصر من مياه نهر النيل ثابتة عند 55.5 مليار متر مكعب، والتي تمثل حوالي 98% من إجمالي الموارد المائية المتاحة للدولة، بحسب وزارة الموارد المائية والري. مع نمو السكان والتوسع في مشروعات استصلاح الصحراء مثل «الدلتا الجديدة»، بات لزاماً على قطاع الزراعة - المستهلك الأكبر للمياه - أن يتخلى عن نظام الري بالغمر التقليدي الذي يستهلك كميات هائلة من المياه.
تستهدف الدولة تنفيذ نظم الري الحديث بمساحات حوالي 2.5 مليون فدان في الأراضي المخطط ريها في المشروعات القومية الكبرى مثل مشروع الدلتا الجديدة ومشروع تنمية شمال سيناء ومشروع مستقبل مصر. وتقوم وزارة الموارد المائية والري بحملات توعوية عدة من خلال وسائل الإعلام، آخرها حملة «على القد» لتوعية المواطنين بأهمية ترشيد المياه والحفاظ عليها.
تجارب ناجحة في الري بالتنقيط
أشار المزارعون أصحاب التجارب الناجحة في تطبيق نظم الري الحديث إلى زيادة في الإنتاجية وخفض تكاليف التشغيل والطاقة والأسمدة بعد تطبيق نظم الري الحديث بالمقارنة بتجاربهم السابقة مع الري بالغمر، بالإضافة إلى تقليل نسبة الحشائش الضارة بالمحاصيل. ويتم استعراض كل تجربة على حدة من خلال المسابقات التي تعقد على هامش أسبوع القاهرة للمياه سنوياً ويتقدم لها مئات المزارعين.
التقت جريدة الوطن مجموعة من المزارعين في منطقة الدلتا، وشرح الحاج أحمد عبد الجليل، أحد المزارعين بمحافظة دمياط، تجربته في الاعتماد على الري بالتنقيط، مشيرا إلى عدة نقاط استفاد منها خلال تجربته الشخصية على مدار 5 أعوام:
- كفاءة التسميد: أدى الري بالتنقيط إلى توفير كبير في كميات السماد المطلوبة، فبدلاً من استخدام 500 كيلو من السماد النيتروجيني للفدان، أصبح يحتاج فقط ما بين 150 إلى 200 كيلو، مع تحسن في سرعة امتصاص النبات للعناصر الغذائية.
- صحة النبات: يقلل نظام التنقيط من مشاكل أعفان الجذور التي يسببها الري بالغمر، حيث يتم إعطاء النبات كمية المياه الدقيقة التي يحتاجها فقط.
- سهولة العمل والحصاد: يسهل نظام التنقيط عمليات الجمع والحصاد، حيث تظل الأرض نظيفة وسهلة الحركة للعمال، على عكس الري بالغمر الذي يجعل الأرض طينية.
- زيادة الإنتاجية: يؤكد عبد الجليل أن اهتمامه بنظام الري والتسميد الدقيق مكنه من حصاد المحاصيل مبكراً وبجودة عالية، ما يعزز من ربحية المزارع.
وفي ختام حديثه، نصح عبد الجليل جميع المزارعين بالتحول إلى أنظمة الري الحديث في محاصيل الخضروات لما لها من فوائد تعود بالنفع على المزارع وعلى الأمن المائي للبلاد.
تحديات تواجه منظومة الري الحديث
رغم النجاحات، تواجه منظومة الري الحديث بعض التحديات مثل الكلفة المبدئية لتركيب الشبكات، وتخوف بعض صغار المزارعين من التغيير. ومع ذلك، فإن إدخال تكنولوجيا الري الذكي يفتح آفاقاً جديدة تجعل الاستثمار في هذه الشبكات يسترد قيمته خلال مواسم زراعية قليلة.
أكدت وزارة الموارد المائية والري سعيها بالتعاون مع وزارة الزراعة واستصلاح الأراضي لفتح منافذ تمويلية متنوعة لتشجيع الممارسات الزراعية التي تدعم تعزيز الإنتاجية من وحدة المياه، سواء عن طريق الدعم المالي المحلي أو من خلال بعض المنح الأجنبية منها مشروع دعم صغار المزارعين الذي يعمل من خلال نهج شامل بالتوازي على أربعة مسارات: تجميع الحيازات لزيادة إنتاجية أصحابها، وتبطين المساقي الزراعية لتعزيز كفاءة استخدام المياه والأراضي، وتنويع مصادر الدخل وزيادتها، وبناء الملكية والقدرة المؤسسية لضمان الاستدامة.
شراكة مصرية أوروبية لدعم المياه
أثمر التعاون طويل الأمد بين مصر والاتحاد الأوروبي خلال السنوات الماضية عن عدة مشروعات مائية مشتركة تجاوزت قيمتها 200 مليون يورو. وفي نهاية عام 2023، تحققت خطوة هامة بتوقيع إعلان الشراكة المائية بين مصر والاتحاد الأوروبي، والذي أسس منصة منظمة للتعاون في قطاع المياه بين الجانبين. وجاء إعلان الشراكة الاستراتيجية الذي وُقّع بين الرئيس عبد الفتاح السيسي ورئيسة المفوضية الأوروبية في يونيو 2024، ليرتقي بالتعاون بين مصر والاتحاد الأوروبي لمستوى جديد يجعل من المياه والطاقة والعمل المناخي والاستثمار ركائز أساسية للرؤية المشتركة نحو الاستقرار والازدهار الإقليمي.
خطة التحول من الري بالغمر إلى الري الحديث
وضعت وزارة الموارد المائية والري استراتيجية وخطة تنفيذية للتحول من نظم الري بالغمر إلى نظم الري الحديث طبقاً لقائمة من الأولويات لتنفيذ ذلك في عدد من المناطق والزراعات، حيث تأتي على رأس القائمة الأراضي الرملية والأراضي التي تعتمد في الري على المياه الجوفية والأراضي المخطط ريها ضمن المشروعات القومية العملاقة؛ منها معالجة مياه مصرف بحر البقر، ومحطة المحسمة لري الأراضي المستهدفة للاستصلاح بشرق القناة، ومحطة معالجة مياه الصرف الزراعي لخدمة مشروع الدلتا الجديدة بغرب الدلتا.
أوضحت الوزارة أنها بصدد إعداد خريطة للجمهورية لتحديد المناطق المناسبة لتطبيق نظم الري الذكي بتقنيات ودرجات ذكاء مختلفة لرفع كفاءة الري الحقلي بما يتناسب مع الطبيعة الاجتماعية والاحتياجات المائية والمنطقة الزراعية وطريقة الري بما يعزز إنتاجية وحدة المياه. التحول للري الحديث على الإطلاق غير مجدٍ ولا يمكن تطبيقه في كافة الأراضي الزراعية، وهو ما يشير إلى أن تلك العملية تستلزم إجراء دراسة متكاملة تشمل البعد المجتمعي ومدى رغبة المزارعين في تنفيذ هذا التحول، وتأثير استخدام نظم الري الحديث في الأراضي القديمة على كميات مياه الصرف الزراعي، وتأثير ذلك على محطات المعالجة الكبرى في بحر البقر والدلتا الجديدة والمحسمة، وعلى كميات إعادة استخدام مياه الصرف الزراعي، وأيضاً الاتزان الملحي بشمال الدلتا.
دراسة جدوى الري الحديث لمحصول القصب
تقوم وزارة الموارد المائية والري حالياً بإتمام دراسة لتقييم مدى الوفر الذي يمكن أن يعود على الموارد المائية في زراعة القصب بمحافظات الصعيد. تأخذ الدراسة في الاعتبار كافة محددات العملية الزراعية، مثل كميات مياه الري وكميات مياه الصرف وكميات الأسمدة المستخدمة والطاقة الكهربائية المستخدمة وتوافر الشتلات فضلاً عن إنتاجية الفدان. الدراسة على وشك الانتهاء وصدور تقريرها النهائي، إلا أن المؤشرات تعتبر إيجابية من حيث الوفر في استخدام الأسمدة الزراعية بينما يتبقى التحدي الأكبر هو الوفر في كميات المياه المستخدمة؛ حيث إن المؤشرات تشير إلى أن نسبة الوفر قد لا تكون مجدية معها استخدام الري الحديث في زراعة القصب، ويتبقى تقييم الإنتاجية للفدان والتي قد تكون هي العامل الحاسم في إقرار المزارعين استخدام الري الحديث من عدمه.
تسهيلات تمويلية للمزارعين
في وقت سابق، وقعت وزارة الموارد المائية والري ووزارة الزراعة واستصلاح الأراضي ووزارة المالية والبنك المركزي المصري بروتوكولاً بهدف تمويل عمليات التحول للري الحديث في عدد من المحافظات ذات الأراضي القديمة «السوداء». مع تنفيذ البروتوكول اتضح وجود بعض المعوقات وعدم توافق عمليات التنفيذ مع الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية في محافظات التنفيذ، وعليه قامت الوزارة بعقد عدد من الاجتماعات المشتركة مع ممثلي وزارة الزراعة ووزارة المالية وتم التوافق على صياغة ملحق للبروتوكول من خلاله تقدم الدولة حزمة تسهيلات استثنائية تشمل تمويل تكاليف التطوير بالكامل بضمانات بسيطة.
التمويل يُمنح للمزارع بدون فوائد أو مصاريف إدارية، حيث تتحمل وزارة المالية الفائدة نيابة عنهم، كما يُسدد المبلغ على 10 أقساط سنوية ميسرة، ولا يبدأ السداد إلا بعد مرور عام كامل من انتهاء أعمال التنفيذ «فترة سماح». تشمل أعمال البروتوكول تأهيل المساقي، وتركيب الطلمبات سواء بالكهرباء أو الطاقة الشمسية، وشبكات الري المطور. لضمان كفاءة التنفيذ والمتابعة، تم اقتراح تشكيل وحدة مشتركة للقيادة والتخطيط بين وزارتي الزراعة والري، تتفرع من هذه الوحدة لجان متخصصة تشمل لجنة فنية لمراجعة واعتماد التصميمات الهندسية، وفريقاً للإشراف الميداني، وفريقاً لإعداد واعتماد المستخلصات المالية، كما يوجد فريق معني بالحصول على موافقات المزارعين وتأسيس روابط مستخدمي المياه.
لحماية الموارد، أيّد البروتوكول استخدام الآبار الجوفية العشوائية، ومنع الجمعيات الزراعية من نقل حيازة الأراضي المُطورة إلا بعد سداد مستحقات التمويل كاملة أو بموافقة البنك الممول.
مسابقات سنوية لتحفيز المزارعين
تسعى وزارة الموارد المائية والري إلى تحفيز وتشجيع التجارب الناجحة عن طريق إعداد مسابقة سنوية لأفضل التجارب في ترشيد استخدام المياه يتقدم لها مئات المزارعين، حيث يتم استقبال وفرز التجارب من كافة المحافظات ويتم عمل جلسة خاصة ضمن فعاليات أسبوع القاهرة للمياه سنوياً لعرض أفضل التجارب من مختلف أنحاء الجمهورية ويتم تحفيز الفائزين بجوائز مادية وشهادات تقدير، ويتم نشرها بعد ذلك في برامج التوعية للمناطق الأخرى ومن خلال زيارات تبادل الخبرات بين المزارعين حيث يتم عرض تجارب ري حديث تم تنفيذها ذاتياً وتطوير مساقي واستخدام طاقة شمسية في بعض التجارب.
الاستراتيجية القومية للموارد المائية 2050
توجه وزارة الموارد المائية والري كافة المساعي والإمكانيات نحو سد العجز المائي الذي تعانيه مصر، لذا كانت سياسة الوزارة من خلال رؤية مصر 2030 وأهم أهدافها من ناحية تحقيق العدالة والقدرة والمرونة على التكيف والاستدامة وتعزيز التحول الرقمي من خلال الاستراتيجية القومية للموارد المائية 2050 والتي يتم تنفيذها عن طريق خطة تنفيذية تمثل الجيل الثاني من منظومة المياه 2.0 اعتماداً على عدد من المحاور من ضمنها رفع العائد الاقتصادي والإنتاج الزراعي من وحدة المياه، باعتبار أن التحدي الرئيسي يتمثل في تعظيم الاستفادة من الموارد المائية المحدودة في ظل زيادة الطلب على المياه، وذلك في إطار تنمية الموارد المائية التقليدية المتاحة وحسن استغلالها.
تعمل الوزارة على التوسع في تبني موارد مائية غير تقليدية مثل تحلية المياه الجوفية المالحة من أجل الزراعة، وذلك بتقنيات حديثة اعتماداً على الطاقة المتجددة بحيث ترفع من جدوى الزراعة بتلك المياه المحلاة، بالإضافة إلى إعادة الاستخدام الآمن لمياه الصرف الزراعي والتوسع في إنشاء محطات المعالجة بالإضافة إلى مشروعات حصاد الأمطار. هذا بالإضافة إلى رفع كفاءة البنية الأساسية لشبكة الري سواء من منشآت تحكم رئيسية وبوابات وتأهيل لشبكة الترع والمصارف طبقاً لدليل استرشادي تم إعداده من خلال خبراء من الوزارة ومن الجامعات المصرية لتحديد أنسب طريقة لتأهيل المجرى المائي طبقاً لعدد من المحددات مثل نوع التربة والقطاع المائي والزمام المخدوم وغيرها من المحددات التي تم التوافق عليها والمذكورة في الدليل الاسترشادي، وذلك بهدف تعظيم العائد الاقتصادي والاجتماعي والتنموي من وحدة المياه.
تشتمل الخطة التنفيذية للاستراتيجية القومية للموارد المائية على عدد من المحاور الأخرى مثل تطوير منظومة المراقبة والتشغيل بالسد العالي، وبدء مشروع تأهيل وإحلال المنشآت المائية، وتنفيذ مشروعات إحلال وتأهيل وصيانة المنشآت المائية الكبرى، وتنفيذ مصبات نهاية للترع، والمشروعات القومية لتأهيل الترع والمساقي، والتوسع في الري الحديث في أماكن ذات أولوية، ورفع كفاءة إدارة وتوزيع المياه بشبكة الترع والمصارف. تستهدف هذه الإجراءات خفض الفواقد وتعظيم الاستفادة من كل متر مكعب من المياه وتحقيقاً لأهداف التنمية المستدامة للحفاظ على حقوق الأجيال القادمة وتحقيق التوسع في المشروعات التنموية لسد الفجوة الغذائية.



