56 يومًا من الكارثة: قصة السلطان قُلَّة الذي أفلس خزينة الدولة المملوكية
السلطان قُلَّة: 56 يومًا أفلس فيها خزينة الدولة المملوكية (22.02.2026)

56 يومًا من البلية: عندما أفلس "السلطان قُلَّة" خزينة الدولة المملوكية

في قراءة متأنية لصفحات التاريخ المصري القديم، تبرز نماذج عديدة لحكام سُمّوا بـ"السلطان الأبلة"، أولئك الذين حكموا مصر في فترات زمنية محددة، وعانَى الشعب تحت حكمهم ليس فقط من بطشهم، بل من غبائهم وضعف مداركهم العقلية أيضًا. هؤلاء الحكام، وبفضل السلطة الشخصية المطلقة التي تمتعوا بها، تحصنت قراراتهم الطائشة وأفعالهم البلهاء خلف أسوار الحكم، مما أدى إلى كوارث سياسية واقتصادية مدمرة للبلاد.

من مملوك عادي إلى عرش البلية والانهيار

تعود حكاية الملك الظاهر بلباي، أحد أبرز هؤلاء الحكام، كما وصفها الكاتب الصحفي الراحل صلاح عيسى في كتابه القيم "هوامش المقريزي – حكايات من مصر"، بأن بلباي بدأ حياته مجرد مملوك عادي في النظام المملوكي، ثم استمر في الترقّي ضمن السلك المملوكي حتى تسلطن في عام 872 هـ الموافق 1467 ميلاديًا، خلفًا لسلفه السلطان خشقدم. ومع ذلك، لم تكن فترة حكمه تعبيرًا عن قوة شخصيته أو حنكته السياسية، بل تحولت إلى مسرح لنفوذ الأمير خير بك، الذي شغل منصب "الدوادار الكبير" في ذلك الوقت.

تمكّن خير بك من فرض سيطرته المطلقة على السلطان بلباي، بحيث أصبح الملك لا يتخذ أي قرار أو يتصرف في أي أمر من أمور الدولة إلا بمشورته وتوجيهه المباشر. تحت هذا التأثير، أقدم السلطان على اضطهاد مماليك سلفه خشقدم، حيث قبض عليهم ونفاهم إلى السجن في مدينة الإسكندرية. وصف مؤرخو العصر حال السلطنة في عهده بأنها صارت "في غاية البلية"، مما يعكس حجم التدهور الذي شهدته البلاد.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

الإفلاس الاقتصادي ونتائج مستشار السوء

لم يقتصر سوء التدبير على الجانب السياسي فحسب، بل امتد ليطال الأحوال الاقتصادية للدولة بشكل كارثي. فقد أشار خير بك، الذي وصفه التاريخ بـ"مستشار السوء"، على الملك الظاهر بلباي بالتوسع في نفقات العسكر بشكل مفرط، فأعطاهم كل ما تحتويه خزائن الدولة من أموال وثروات.

نتيجة لهذا التهور المالي غير المدروس، اضطربت الأحوال الاقتصادية بشكل حاد، وأفلست الخزانة تمامًا، مما دفع العسكر إلى التسلط وطلب زيادة نفقتهم بشكل شهري. أدى هذا الوضع إلى تدهور أحوال الناس المعيشية، وانتشار الفتن والاضطرابات الاجتماعية في أرجاء البلاد.

يكشف الكاتب الصحفي صلاح عيسى في كتابه "هوامش المقريزي - حكايات من مصر" أنه أمام هذا الانهيار الشامل، اجتمع الأمراء والقضاة في الدولة، واتخذوا قرارًا مصيريًا بخلع بلباي من الحكم ونفيه مسجونًا إلى الإسكندرية. لم تدم فترة سلطنته سوى 56 يومًا فقط، وهي فترة قياسية في القصر والانهيار.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

أصل اللقب الساخر: "السلطان قُلَّة"

يصف المؤرخ ابن إياس الملك الظاهر بلباي بأنه كان "أرشل قليل المعرفة، وكان عمره كله في غلاسة هو ومماليكه، وشكله كتدبيره سيئ"، حيث جمع بين قبح الأفعال وقبح الشكل الظاهري. وقد تندر الشعب المصري عليه بأسلوبه المعهود في مقاومة حماقة الحكام وسوء أفعالهم خلال العصر المملوكي.

تركزت السخرية الشعبية من غبائه وتبعيته المطلقة لدواداره خير بك، وعجزه التام عن اتخاذ أي قرار مستقل. حتى إنه إذا سُئل عن أمر من أمور المملكة، كان يجيب قائلًا: "إيش كنت أنا؟! قل له إ!"، أي قل لخير بك. ومن هنا، أطلق عليه العامة لقب "السلطان قل له"، ثم حرفها اللسان المصري الساخر متعمدًا إلى "السلطان قُلَّة"، ليبقى هذا اللقب شاهدا على فترة حكم قصيرة لكنها مليئة بالدروس والعبر.