تشهد أسعار الذهب حالة من التقلبات خلال الفترة الأخيرة، ورغم ذلك يظل الذهب في دائرة اهتمام المستثمرين الباحثين عن الأمان وحماية مدخراتهم، لذا يتساءل الكثير عن أسباب تراجع الأسعار مؤخرًا، والعوامل التي قد تحدد اتجاه السوق خلال الفترة المقبلة.
عوامل متشابكة ترسم مسار الذهب عالميًا
بحسب تقرير صادر عن «مرصد الذهب» قد تعرض الذهب لضغوط قوية خلال الأشهر الماضية نتيجة الارتفاع الحاد في أسعار النفط عقب أزمة مضيق هرمز، وهو ما ساهم في زيادة معدلات التضخم عالميًا ودفع المستثمرين إلى تقليص رهاناتهم على خفض أسعار الفائدة، الأمر الذي أثر سلبًا على المعدن النفيس باعتباره أصلًا لا يدر عائدًا.
واصل الطلب الرسمي من البنوك المركزية تقديم دعم هيكلي لسوق الذهب، رغم تباطؤ وتيرة المشتريات خلال الأشهر الأخيرة مع تصاعد الضغوط الاقتصادية العالمية.
مشتريات البنوك المركزية تعزز الدعم طويل الأجل للذهب
أعلن البنك الوطني الجورجي، شراء ذهب بقيمة 100 مليون دولار، لترتفع حصة الذهب في احتياطياته الدولية إلى 15.5%، في إطار استراتيجية طويلة الأجل لتنويع الاحتياطيات والتحوط من المخاطر الجيوسياسية والتضخمية، وتُعد هذه أول زيادة في احتياطيات الذهب لدى جورجيا منذ عام 2024.
وأشار البنك إلى أن الذهب لا يزال يمثل أحد أهم أدوات التحوط في ظل استمرار الصراعات الجيوسياسية العالمية، والتوترات التجارية، وارتفاع معدلات التضخم، مؤكدًا أن الطلب الرسمي من البنوك المركزية يظل أحد أهم عوامل الدعم طويلة الأجل لسوق الذهب العالمي.
قراءة مرصد الذهب
يرى «مرصد الذهب» أن التراجع الحاد الذي شهدته أسعار الذهب خلال الأيام الأخيرة جاء نتيجة تلاقي عدة عوامل سلبية في وقت واحد، بدأت بصدور بيانات قوية لسوق العمل الأمريكي الأسبوع الماضي، التي عززت توقعات استمرار أسعار الفائدة المرتفعة لفترة أطول، ما دفع المستثمرين إلى زيادة رهاناتهم على قوة الدولار وارتفاع عوائد السندات الأمريكية، وهو ما أضعف جاذبية الذهب كأصل لا يدر عائدًا.
وزادت الضغوط البيعية بعد صدور بيانات التضخم الأمريكية التي أظهرت استمرار الضغوط السعرية، الأمر الذي عزز الاعتقاد بأن الاحتياطي الفيدرالي قد يتأخر في تخفيف سياسته النقدية، لتتسارع عمليات البيع ويكسر الذهب مستويات دعم فنية مهمة، بما في ذلك متوسط الحركة طويل الأجل، وهو ما دفع العديد من المستثمرين وصناديق التحوط إلى تقليص مراكزهم الشرائية.
وفي المقابل، جاء الارتفاع المفاجئ الذي سجله الذهب خلال الساعات الأخيرة من التداولات مدفوعًا بتغير في الطلب عقب إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلغاء ضربة عسكرية كانت تستهدف إيران، مع عودة الحديث عن إمكانية التوصل إلى تسوية دبلوماسية بين الجانبين.
كما تلقت أسعار الذهب دعمًا إضافيًا من بيانات اقتصادية أمريكية أظهرت ارتفاع مؤشر أسعار المنتجين خلال مايو، إلى جانب زيادة طلبات إعانة البطالة، ما أبقى ضغوط التضخم في دائرة اهتمام المستثمرين رغم تراجع عوائد السندات الأمريكية.
وظل مضيق هرمز محور اهتمام الأسواق العالمية خلال الأيام الماضية، مع استمرار حالة الشد والجذب بين المخاوف المرتبطة بأمن إمدادات الطاقة العالمية وبين احتمالات خفض التصعيد السياسي والعسكري، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على تحركات الذهب والنفط والدولار والأسهم العالمية.
الذهب بين قوة الدولار ودعم الأزمات الجيوسياسية
يُؤكد المرصد أن ما حدث يعكس حالة الصراع الحالية بين العوامل الاقتصادية الضاغطة على الذهب والعوامل الجيوسياسية الداعمة له، حيث لا تزال أسعار الفائدة المُرتفعة وقوة الدولار تُمثلان عامل ضغط رئيسيًا على المعدن النفيس، بينما تستمر التوترات الجيوسياسية العالمية وعمليات شراء البنوك المركزية في توفير دعم للأسعار كلما زادت حالة عدم اليقين في الأسواق.
يرجح «مرصد الذهب» أن تظل الأسواق شديدة الحساسية خلال الفترة المقبلة تجاه أي بيانات اقتصادية أمريكية جديدة أو تطورات جيوسياسية في الشرق الأوسط، وهو ما قد يبقي أسعار الذهب في حالة من التقلبات الحادة حتى تتضح الرؤية بشأن مسار الفائدة الأمريكية واتجاه الأزمة الإقليمية.



