مع اقتراب طي صفحة الحرب الإيرانية والتوصل إلى تفاهمات لوقف العمليات العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران، تتجه أنظار المستثمرين إلى أسواق الذهب التي عاشت خلال الأشهر الماضية على وقع التوترات الجيوسياسية وتقلبات أسعار الطاقة.
ترقب في الأسواق العالمية
ويترقب المتعاملون انعكاسات الاتفاق على حركة المعدن النفيس، وانحسار المخاطر السياسية قد يرفع أحد أهم الضغوط التي أثرت على الذهب مؤخرا، لكنه لن يكون العامل الوحيد المحدد لمساره خلال المرحلة المقبلة، في ظل استمرار تأثير التضخم الأمريكي وأسعار الفائدة وتحركات الدولار على الأسواق العالمية.
وأثار الإعلان عن التوصل إلى اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران لإنهاء الحرب ووقف العمليات العسكرية موجة من الترقب في الأسواق العالمية، وسط توقعات بأن يسهم هذا التطور في إعادة تشكيل خريطة تحركات الذهب خلال الفترة المقبلة، بعد أشهر من الاضطرابات التي ربطت أداء المعدن النفيس بمستويات التوتر في الشرق الأوسط.
انتهاء الحرب الإيرانية وتأثيره على الذهب
انتهاء الحرب الإيرانية قد يزيل أحد أبرز العوامل الضاغطة على الذهب خلال الأشهر الماضية، ويفتح المجال أمام عودة العوامل الاقتصادية والنقدية التقليدية لتوجيه الأسعار، وفي مقدمتها أزمة الديون الأمريكية، وتزايد مشتريات البنوك المركزية من الذهب، وتراجع الطلب العالمي على الدولار.
ورغم أهمية التهدئة الجيوسياسية، فإن خبراء الأسواق يؤكدون أن انتهاء الحرب وحده لن يكون كافيا لإطلاق موجة صعود قوية للمعدن الأصفر، إذ ستظل الأسعار رهينة تطورات التضخم في الولايات المتحدة، وقرارات مجلس الاحتياطي الفيدرالي بشأن أسعار الفائدة، إلى جانب أداء الدولار وعوائد السندات الأمريكية.
وكانت الأسواق قد استقبلت الإعلان عن الاتفاق الأمريكي الإيراني بإيجابية، مع تزايد الرهانات على انحسار المخاطر الجيوسياسية وتأثيراتها على أسعار الذهب والنفط والعملات العالمية، ما انعكس على حركة التداولات في بورصات المعادن والطاقة.
تقلبات الذهب خلال الفترة الماضية
وشهد الذهب خلال الفترة الماضية تقلبات حادة، فقبل اندلاع الحرب الإيرانية كان المعدن النفيس قد سجل مستويات قياسية عالمية بلغت نحو 5600 دولار للأونصة، إلا أن تصاعد التوترات في المنطقة وإغلاق مضيق هرمز وتعطل جزء من إمدادات الطاقة الخليجية وما تبعه من ارتفاع أسعار النفط، أدى إلى تراجع الأسعار لتسجل أدنى مستوياتها خلال يونيو الجاري عند نحو 4023 دولارًا للأونصة، قبل أن تستعيد جزءا من خسائرها مع تنامي التوقعات بقرب التوصل إلى تسوية سياسية.
وأغلقت بورصات المعادن العالمية تعاملات الأسبوع على ارتفاع، حيث صعد الذهب بنسبة 0.17% ليسجل نحو 4219 دولارا للأونصة، في إشارة إلى استمرار حالة الترقب لدى المستثمرين تجاه مستقبل الاتفاق وتأثيره على الأسواق.
أسعار الذهب في السوق المحلية
وفي هذا السياق، قال الدكتور وليد فاروق، مدير مرصد الذهب للدراسات الاقتصادية، إن سعر جرام الذهب عيار 21 ارتفع بنحو 35 جنيهًا مقارنة بختام تعاملات أمس ليسجل نحو 6300 جنيه، بينما ارتفعت الأوقية بالبورصة العالمية بنحو 26 دولارا لتصل إلى مستوى 4347 دولارا، وفقا لبيانات مجلس الذهب العالمي.
وأضاف أن سعر جرام الذهب عيار 24 سجل نحو 7200 جنيه، فيما بلغ سعر جرام الذهب عيار 18 نحو 5400 جنيه، بينما وصل سعر الجنيه الذهب إلى نحو 50 ألفا و400 جنيه.
وأشار فاروق، إلى أن أسعار الذهب كانت قد شهدت ارتفاعا خلال تعاملات أمس بنحو 15 جنيها، حيث افتتح جرام الذهب عيار 21 التداولات عند مستوى 6280 جنيها، ولامس مستوى 6330 جنيها قبل أن يغلق عند 6265 جنيها، كما ارتفعت الأوقية العالمية بنحو 102 دولار، بعدما بدأت التداولات عند 4219 دولارا ووصلت إلى 4367 دولارا قبل أن تغلق عند 4321 دولارا.
تأثير تراجع الدولار والنفط
وأشار إلى أن الأوقية العالمية حققت مكاسب تجاوزت 128 دولارا خلال آخر جلستين، في حين ارتفع سعر جرام الذهب عيار 21 في السوق المحلية بنحو 20 جنيها فقط خلال الفترة نفسها، وهو ما يعكس التأثير المباشر لتراجع سعر الدولار أمام الجنيه المصري.
وأكد أن الأسواق العالمية تلقت دعما إضافيا من تراجع أسعار النفط الخام وانخفاض عوائد سندات الخزانة الأمريكية، بعدما عزز الاتفاق المبدئي بين واشنطن وطهران التوقعات بانحسار الضغوط التضخمية الناتجة عن اضطرابات الطاقة.
وتابع: "التهدئة الجيوسياسية الحالية خففت من المخاوف المرتبطة بإمدادات الطاقة العالمية، إلا أن المستثمرين لا يزالون يتعاملون بحذر مع تطورات الملف الإيراني، خاصة أن الاتفاق المعلن يمثل إطارا أوليا يحتاج إلى المزيد من جولات التفاوض للوصول إلى تسوية نهائية وشاملة".
تحول اهتمام المستثمرين
وأوضح أن استمرار صعود الذهب رغم تراجع المخاطر الجيوسياسية يعكس تحول اهتمام المستثمرين من عامل الملاذ الآمن إلى العوامل النقدية والاقتصادية، حيث ساهم ضعف الدولار وتراجع عوائد السندات الأمريكية في دعم المعدن النفيس وتعويض أثر تراجع الطلب المرتبط بالمخاوف السياسية.
وأضاف أن تأثير التطورات الأخيرة على الذهب جاء بصورة مزدوجة؛ فمن ناحية أدى تراجع أسعار النفط إلى تخفيف الضغوط التضخمية وتقليص توقعات تشديد السياسة النقدية الأمريكية، وهو ما دعم أسعار الذهب، بينما أدى انحسار المخاطر الجيوسياسية إلى الحد من الطلب على الملاذات الآمنة، لتظل الأسواق في حالة توازن بين العاملين بانتظار اتضاح الرؤية بشأن السياسة النقدية الأمريكية ومستقبل الاتفاق بين واشنطن وطهران.
وتراجع خام برنت بنحو 4.8%، فيما انخفض العائد على سندات الخزانة الأمريكية لأجل عشر سنوات إلى 4.47%، وهو ما وفر بيئة أكثر دعما لتحركات الذهب في الأسواق الدولية.
مستقبل الذهب بين التحديات
والجدير بالذكر، أن شبح الحرب يبتعد تدريجيا عن المنطقة، فإن مستقبل الذهب لن يتحدد فقط بمدى نجاح الاتفاق الأمريكي الإيراني، بل سيبقى مرهونا بمجموعة معقدة من المتغيرات الاقتصادية العالمية.
ومع استمرار الضبابية بشأن التضخم وأسعار الفائدة والدولار، يظل المعدن الأصفر في مواجهة اختبار جديد قد يحدد اتجاهه خلال النصف الثاني من العام، بين استعادة مكاسبه التاريخية أو الدخول في مرحلة من التذبذب الحذر.



