تعد مصر صاحبة أقدم عملة رسمية في المنطقة العربية، إذ بدأ إصدار الجنيه المصري عام 1836 في عهد محمد علي باشا ليحل محل العملات الذهبية والفضية المتداولة آنذاك، ويصبح لاحقًا أحد أهم رموز الاقتصاد المصري عبر التاريخ.
بداية الجنيه المصري
قبل إصدار الجنيه، اعتمدت مصر على نظام المقايضة والعملات المعدنية الأجنبية، إلى أن أصدر محمد علي فرمانًا عام 1834 بإنشاء عملة مصرية موحدة تعتمد على الذهب والفضة، لتظهر أول عملة مصرية رسمية عام 1836. وسُمي "الجنيه" بهذا الاسم تأثرًا بالعملة البريطانية خلال فترة النفوذ البريطاني، بينما قُسم إلى 100 قرش، والقرش إلى 10 مليمات. كما ظهرت فئة "الباريزة" الشهيرة، وهي عملة العشرة قروش التي سُكت في باريس.
أول جنيه ورقي في مصر
في الثالث من أبريل عام 1899 أصدر البنك الأهلي المصري أول أوراق نقدية مصرية، وكان الجنيه وقتها يعادل 7.4 جرام من الذهب، وظلت العملة مرتبطة بالذهب ثم بالجنيه الإسترليني حتى اندلاع الحرب العالمية الأولى.
"جنيه إدريس".. القصة الأشهر في تاريخ العملة
من أغرب القصص المرتبطة بالجنيه المصري، ظهور صورة "إدريس" خادم قصر الملك فؤاد الأول على العملة عام 1928. وتعود الحكاية إلى أن إدريس أخبر الأمير أحمد فؤاد قبل توليه الحكم بأنه رأى في المنام أنه سيصبح ملكًا على مصر، فوعده الأمير مازحًا بأنه إذا تحقق الحلم سيضع صورته على الجنيه. وبعد سنوات تحقق الأمر بالفعل عقب تنازل الأمير كمال الدين حسين عن ولاية العرش، ليصبح فؤاد سلطانًا ثم ملكًا على مصر، ويصدر الجنيه الشهير المعروف باسم "جنيه الفلاح".
تطورات الطباعة وعناصر الأمان
شهدت العملة المصرية تطورات كبيرة خلال القرن العشرين، إذ بدأت مصر استخدام العلامة المائية عام 1930 لمكافحة التزوير، ثم ظهرت صور الملوك والرموز الأثرية على العملات في عهد الملك فاروق الأول. وبعد ثورة 23 يوليو تغيرت تصميمات العملات لتعبر عن فئات الشعب المصري، مثل العامل والفلاح والجندي، إلى جانب رموز الوحدة بين مصر والسودان.
إنشاء البنك المركزي ودار الطباعة
في عام 1960 صدر قانون إنشاء البنك المركزي المصري ليتولى مسؤولية إصدار النقد، بينما تم إنشاء دار طباعة النقد عام 1968، لتبدأ مصر لأول مرة طباعة عملاتها محليًا بدلًا من طباعتها بالخارج. كما أصدرت مصر لاحقًا فئات نقدية جديدة مثل الـ50 جنيهًا عام 1993، والـ200 جنيه عام 2007، والتي تضمنت أحدث وسائل التأمين مثل الشرائط الهولوجرامية والعناصر المغناطيسية.
الجنيه المعدني يعود للسوق
في عام 2005 طرحت مصر الجنيه المعدني بدلًا من الورقي، قبل أن يعود الجنيه الورقي مجددًا للتداول بقرار من محافظ البنك المركزي السابق طارق عامر. ومع التطور المستمر، أعلنت مصلحة الخزانة العامة وسك العملة مؤخرًا تحديث تصميمات العملات المعدنية فئة الجنيه والـ2 جنيه، في إطار تطوير العملة المصرية مع استمرار تداول الفئات القديمة دون إلغائها.
رحلة ممتدة عبر الزمن
على مدار نحو قرنين، ظل الجنيه المصري شاهدًا على التحولات السياسية والاقتصادية التي مرت بها مصر، بداية من عصر محمد علي وحتى العصر الحديث، ليبقى واحدًا من أقدم العملات العربية وأكثرها ارتباطًا بتاريخ الدولة المصرية وهويتها الاقتصادية.



