كبير الباحثين بـ«السياسات الأمريكية»: استهداف منشآت الغاز السيناريو الأخطر في الحرب الإيرانية
بينما تقف المنطقة على حافة فوهة بركان، وتتسارع وتيرة المناوشات العسكرية التي لم تعد تقتصر على أطراف إقليمية، بل امتدت لتشمل قوى دولية كبرى، تتجه أنظار العالم بأسره نحو بوصلة الاقتصاد. فالتوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط لم تعد مجرد أخبار سياسية، بل أصبحت محركاً رئيسياً لأسعار الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية.
يتحدث الدكتور أبوصالح شريف، كبير الباحثين في معهد السياسات الأمريكية - الهندية بواشنطن العاصمة، ورئيس مركز أبحاث سياسات التنمية، عن تأثير المواجهات العسكرية في الشرق الأوسط على الاقتصاد العالمي ومنظومة الطاقة ليضعنا أمام خارطة طريق اقتصادية، محذراً من أن استهداف الغاز هو الخط الأحمر الذي قد يشعل فتيل أزمة عالمية، موضحاً سبب استبعاده لسيناريو السقوط في فخ أزمات السبعينات مرة أخرى.. وإلى نص الحوار:
■ ما مدى تأثير الحرب في الشرق الأوسط على استقرار إمدادات النفط العالمية في المديين القصير والمتوسط؟
لا يمكن النظر إلى التأثير بمعزل عن الواقع الفعلي على الأرض. لقد تضررت إيران بالفعل اقتصادياً بشكل بالغ، ورغم صعوبة تقديم تقدير دقيق للحجم الحقيقي للأضرار في البنية التحتية والمنشآت الحيوية حالياً، إلا أن المؤشرات تؤكد أن الخسائر واسعة النطاق. إن عملية إعادة الإعمار لن تكون مجرد خطة لسنوات، بل ستتطلب استثمارات ضخمة تستنزف نسبة كبيرة من الناتج المحلي الإجمالي، وستمتد لسنوات طويلة وربما لعقود. هذا الدمار الهيكلي يترك آثاراً ممتدة ليس فقط على الاقتصاد الإيراني، بل على الاقتصاد الإقليمي وتوازنات القوى في سوق الطاقة العالمي.
■ بالحديث عن الأسعار.. إلى أي مدى يمكن أن ترتفع براميل النفط إذا استمر غياب أفق وقف إطلاق النار؟
الأسواق قامت بتسعير المخاطر بالفعل، حيث تجاوزت أسعار النفط حاجز 87 دولاراً للبرميل، ومن المتوقع تقنياً أن تستقر الأسعار فوق هذا الحد طالما بقيت التوترات قائمة. ومع بقاء مضيق هرمز تحت ضغط التهديد بالإغلاق، ستظل الأسعار في حالة تأهب. لكن المثير للاهتمام هو أن التقلبات قد تظل محدودة نسبياً في النفط الخام، وأن الصدمة الحقيقية التي يجب أن نراقبها تكمن في إمدادات الأسمدة والغاز، فهذه القطاعات هي الأكثر هشاشة، وأي اضطراب فيها سينعكس مباشرة على الأمن الغذائي والقطاع الزراعي، خاصة في منطقة جنوب آسيا التي تعتمد بشكل كثيف على هذه الإمدادات.
■ هل نحن أمام شبح أزمة طاقة عالمية تعيد للأذهان مشهد الطوابير والركود في السبعينات؟
رغم قتامة المشهد السياسي، إلا أنني أرى أن هذا الاحتمال ضعيف في الوقت الراهن. النظام الاقتصادي العالمي اليوم يمتلك مصدات لم تكن موجودة في السبعينات، كما أن سلاسل الإمداد أصبحت أكثر تنوعاً ومرونة بشكل مذهل، وباتت هناك إمكانية تقنية ولوجيستية لتحويل مسارات الشحن بين البحر والبر عبر شبكات معقدة من الأنابيب والسكك الحديدية والطرق البرية. وهذه المرونة تقلل من فرص حدوث صدمة طاقة شاملة تشل العالم، وإن كانت لا تمنع ارتفاع التكاليف.
■ ما السيناريو الذي يجعلك تخشى على استقرار السوق العالمية؟
السيناريو الأخطر يتمثل في استهداف منشآت الغاز تحديداً، سواء في إيران أو منطقة الخليج. على عكس النفط الخام الذي يمكن نقله وتخزينه بمرونة نسبية، فإن الغاز محكوم بقيود بنية تحتية صارمة: أنابيب ومحطات تسييل. وأي ضرر يلحق بهذه المرافق سيؤدي فوراً إلى اضطرابات حادة في أسواق الطاقة، نظراً لصعوبة إيجاد بدائل سريعة لسد العجز في تدفقات الغاز عبر الأنابيب.
■ دائماً ما يقال إن الذهب هو الملاذ الآمن وقت الحروب.. هل لا تزال هذه القاعدة سارية؟
لم يعد الأمر بالبساطة التي كان عليها سابقاً. التلاعب بأسعار المعادن والذهب كمخزن للقيمة لم يعد أمراً سهلاً في عصرنا الحالي. نحن نعيش في زمن الرقمنة والعملات الموازية والمعاملات غير النقدية، وهو ما جعل التحريك المادي للذهب والفضة كأدوات للتبادل أو حماية القيمة أمراً غير عملي. ورغم أننا نرى احتياطيات ضخمة للصين وتوجهات معينة في السندات السيادية، إلا أنني أستبعد تسارع عملية التخلي عن الدولار بالشكل الذي يروج له البعض؛ فالدولار لا يزال يحكم مفاصل النظام المالي الرقمي.
■ ألا تتوقع موجة شراء مؤسسية ضخمة ترفع أسعار المعدن الأصفر لمستويات قياسية؟
الحقيقة أن الأسواق شهدت بالفعل هذه الموجات خلال عامي 2022 و2023. قامت المؤسسات المالية الكبرى والبنوك المركزية بعمليات شراء قوية واستباقية. هذا يعني أن جزءاً كبيراً من هذا التوجه قد تحقق بالفعل، وما نراه الآن هو صدى لهذه التحركات وليس بداية لموجة جديدة غير مسبوقة.
■ مع كل أزمة طاقة يبرز الحديث عن البدائل.. هل الطاقة النظيفة قادرة على إنهاء عصر النفط الآن؟
الطاقة النظيفة هي المستقبل بلا شك، لكنها عملية بطيئة ستستغرق عقوداً. الهند مثلاً تسير ببطء شديد في هذا المضمار ولا تزال تعتمد بشكل حيوي على الفحم والنفط الخام لدفع عجلة نموها. وفي المقابل نجد الصين أحرزت تقدماً مذهلاً، وانتقلت فعلياً إلى عصر التنقل الكهربائي والطاقة الشمسية والرياح. ومع ذلك سيظل النفط الخليجي عنصراً أساسياً لا يمكن الاستغناء عنه في سوق الطاقة العالمية في المديين المتوسط والطويل.
■ كيف تتوقع شكل النظام الاقتصادي العالمي إذا طال أمد هذا الصراع؟
الصراعات تمر بمراحل، وتوقعاتي تشير إلى أننا قد نشهد نزاعات نشطة أو حالات شبه حرب لفترات قصيرة ومكثفة، رغم ما تسببه من خسائر بشرية واستنزاف اقتصادي. والنظام العالمي سيحاول التأقلم، وسيكون تأثير الصراع المستمر محدوداً إحصائياً، بشرط واحد وجوهري: أن يظل مضيق هرمز مفتوحاً لحرية حركة الشحن وضمان تدفق سلاسل التوريد الأساسية.
مضيق هرمز هو الشريان الأكثر حساسية، والتوتر فيه سيدفع مؤسسات التأمين الكبرى، وعلى رأسها «لويدز لندن»، إلى مراجعة شاملة لسياساتها. أتوقع أن نشهد تطوير أدوات تأمين أكثر كفاءة وتعقيداً لتأمين سلاسل الإمداد العالمية، بدلاً من الاعتماد على الحلول المحلية المتفرقة التي أثبتت عدم كفاءتها في مواجهة المخاطر الجيوسياسية الكبرى. وبكل تأكيد الحرب ستغير خارطة التحالفات الاقتصادية في المنطقة، فالضغوط الجيوسياسية غالباً ما تخلق تقاربات غير متوقعة. ومن المرجح أن تدفع هذه الأزمة نحو تقارب أكبر بين الدول الإسلامية، فرغم الخلافات السياسية القائمة، فإن التحديات الاقتصادية الوجودية ستفرض نوعاً من التنسيق لمواجهة التداعيات المشتركة للصراع.



