بعد أسابيع من التوترات العسكرية التي هددت بتوسيع رقعة الصراع في الشرق الأوسط، أسفر الاتفاق بين الولايات المتحدة وإيران عن هدنة طال انتظارها على الصعيدين السياسي والاقتصادي. فقد أثر الاتفاق، رغم كونه في مراحله الأولية، بشكل إيجابي على أسواق الطاقة والتجارة العالمية، التي عانت من تأثيرات غير مسبوقة بسبب تعطل مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط العالمية.
تراجع أسعار النفط
مع الإعلان عن الاتفاق، تراجعت أسعار النفط بشكل ملحوظ بعد أن انخفضت علاوة المخاطر التي أضافتها الأسواق خلال فترة التصعيد العسكري. يعكس هذا التراجع اعتقاد المتعاملين بأن احتمالات تعطل الإمدادات النفطية أصبحت أقل مما كانت عليه قبل الاتفاق، وفقًا لوكالة "رويترز". انخفضت أسعار النفط بنحو 3% اليوم الخميس إلى أدنى مستوى لها منذ أول يوم تداول للحرب الإيرانية. العقود الآجلة لخام برنت انخفضت بمقدار 1.53 دولار، أو 1.9%، لتصل إلى 78.02 دولار للبرميل، بينما انخفض خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي بمقدار 2.22 دولار، أو 2.9%، ليصل إلى 74.57 دولار للبرميل.
تحرير 159 مليون برميل نفط
كشفت "رويترز" أن إعادة فتح مضيق هرمز تعني تحرير ما يقرب من 159 مليون برميل نفط كانت عالقة أو متأثرة بالأزمة، من بينها 54 ناقلة عملاقة تحمل نحو 87 مليون برميل داخل الخليج. بدأت مصافي التكرير في الهند وتايوان التخطيط لزيادة وارداتها من نفط الشرق الأوسط مع توقع تدفق كميات أكبر وانخفاض الأسعار، مما يعكس تأثيرًا تجاريًا فعليًا على قرارات الشراء والاستيراد.
انتعاش في الأسواق العالمية
لم يقتصر التأثير على النفط فقط، بل شهدت أسواق الأسهم العالمية موجة صعود مدفوعة بتراجع المخاوف الجيوسياسية. المستثمرون اعتبروا الاتفاق مؤشرًا على إمكانية تجنب أزمة إقليمية كانت تهدد الاقتصاد العالمي في وقت يعاني فيه أصلًا من تباطؤ النمو وارتفاع مستويات الدين والتضخم في عدد من الاقتصادات الكبرى. محللون يرون أن رد فعل الأسواق يعكس ارتياحًا مؤقتًا أكثر من كونه قناعة بأن الأزمة انتهت نهائيًا، خاصة أن العديد من الملفات الخلافية بين الطرفين ما زالت مطروحة على طاولة التفاوض.
فرصة للدبلوماسية
على المستوى السياسي، منح الاتفاق فرصة جديدة للمسار الدبلوماسي بين واشنطن وطهران بعد نحو 3 أشهر من التوترات والحرب بين الطرفين. كما يتوقع أن تعود العلاقة بين إيران ودول الخليج بعد أن انقطعت بسبب الهجمات الإيرانية. أعلنت وزارة الخارجية الإيرانية أن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أجرى اتصالًا مع الشيخ جراح الصباح، نظيره الكويتي. خلال المكالمة، أكد عراقجي أهمية الحوار مع دول الخليج لمعالجة أي سوء فهم وتعزيز العلاقات في المنطقة، في الوقت الذي تنظر دول الخليج إلى أن أعمال إيران العدائية لا تخدم أي تفاهم وتقارب. وزارة الخارجية الكويتية أعربت عن تطلع بلادها إلى أن تسهم مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران في تعزيز الاستقرار الإقليمي وضمان أمن وحرية الملاحة في مضيق هرمز والتوصل إلى حلول للملفات العالقة.
الأزمة لم تنته
بينما يرى داعمو الاتفاق أنه نجح في إبعاد شبح حرب واسعة النطاق، يحذر مراقبون من أن نجاحه الحقيقي سيتوقف على قدرة الطرفين على تحويل التفاهمات الأولية إلى اتفاقات أكثر استدامة تتناول الملفات الخلافية الأساسية، وفي مقدمتها البرنامج النووي الإيراني والعقوبات الأمريكية. في إيران، تشهد الأسواق انتعاشًا، لكن الاقتصاديين يحذرون من أن الإغاثة ليست حلًا جذريًا. رغم المكاسب التي تحققت حتى الآن، فإن الصورة لا تزال بعيدة عن الاستقرار الكامل. الأسواق استجابت سريعًا للاتفاق، وانخفضت أسعار النفط، إلا أن مؤشرات الثقة طويلة الأمد لم تعد بعد إلى مستوياتها الطبيعية، خاصة مع إمكانية عودة الحرب في حال عدم التوصل إلى تفاهمات بشأن القضايا العالقة، وأبرزها البرنامج النووي الإيراني والأصول الإيرانية المجمدة.



