62 عامًا على تأسيس إذاعة القرآن الكريم: رحلة صوت دولة التلاوة من البدايات إلى العالمية
قبل 62 عامًا، تحديدًا في السادسة صباح الأربعاء 11 ذي القعدة 1383 هجريًا، الموافق 25 مارس 1964، انطلقت لحظات البث الأولى لإذاعة القرآن الكريم، بقرار من الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، كجزء من مشروع وطني يهدف إلى ترسيخ الهوية الدينية الوسطية ونشر مبادئ الإسلام السمحة. بهذه الخطوة، سجلت مصر سبقًا عالميًا بإطلاق أول وأقدم إذاعة متخصصة في الإعلام الديني، لتصبح صوتًا مؤثرًا في العالم الإسلامي.
البداية: فكرة توثيق القرآن صوتيًا لمواجهة التحديات
لم يكن تأسيس إذاعة القرآن الكريم مجرد مشروع إعلامي تقليدي، بل جاء استجابة لتحدٍ خطير واجه العالم الإسلامي في أوائل الستينيات، مع ظهور نسخة مذهبة من المصحف الشريف تضمنت تحريفات متعمدة في بعض الآيات، مما يغير معانيها بشكل جذري. رغم فخامة هذه النسخة، ساهم رخص ثمنها في انتشارها، ما استدعى تحركًا عاجلًا من المؤسسات الدينية، وعلى رأسها الأزهر الشريف.
من هنا، برزت فكرة توثيق القرآن الكريم صوتيًا كوسيلة دقيقة وآمنة لحفظه من أي تلاعب. جرى تسجيل المصحف المرتل برواية حفص عن عاصم بصوت الشيخ محمود خليل الحصري، ليكون بذلك أول جمع صوتي كامل للقرآن الكريم في التاريخ الحديث، وخطوة مفصلية في مسيرة صونه ونقله للأجيال.
التطور: من 14 ساعة بث إلى منصة عالمية
بدأت إذاعة القرآن الكريم رحلتها ببث يومي مدته 14 ساعة، مقسمة على فترتين: من السادسة حتى الحادية عشرة صباحًا، ومن الثانية ظهرًا حتى الحادية عشرة مساءً. منذ انطلاقها، قدمت القرآن الكريم كاملًا بتسلسل السور والآيات، كما نزل على النبي محمد صلى الله عليه وسلم، مما أكسبها مصداقية واسعة وثقة المستمعين.
وبفضل انتشار أجهزة الراديو الترانزستور في تلك الفترة، وصل صوت الإذاعة إلى ملايين المسلمين في أنحاء العالم العربي والإسلامي، خاصة في آسيا وشمال إفريقيا، لتصبح رفيقًا يوميًا للملايين ومصدرًا رئيسيًا لتعلم التلاوة الصحيحة.
مدرسة التلاوة الذهبية: جمع عمالقة القراء
لم تقتصر الإذاعة على صوت واحد، بل سرعان ما تحولت إلى منصة جمعت عمالقة التلاوة في العالم الإسلامي. شارك في تسجيل المصحف عدد من كبار القراء، بينهم الشيخ عبد الباسط عبد الصمد، والشيخ مصطفى إسماعيل، والشيخ محمد صديق المنشاوي، والشيخ محمود علي البنا، لتصبح الإذاعة مدرسة متكاملة في فنون التلاوة.
وفي الأول من رمضان عام 1385 هجرية، الموافق 24 ديسمبر 1965، نجحت الإذاعة في تسجيل 3 ختمات مرتلة كاملة برواية حفص عن عاصم، بهدف التنويع بين الأصوات وإتاحة خيارات متعددة للمستمعين، وهو إنجاز غير مسبوق في ذلك الوقت.
تطوير المحتوى الديني: من التلاوة إلى البرامج الشاملة
مع تطور دورها، بدأت الإذاعة في عام 1966 إدخال البرامج الدينية إلى خريطتها بنسبة 5% من إجمالي البث، لتشمل التفسير والفقه والسيرة، إلى جانب التلاوة. هذا عزز من دورها التثقيفي والتوعوي، وجعلها منبرًا متكاملًا يخاطب مختلف فئات المجتمع.
قيادات صنعت التاريخ: أسماء بارزة في مسيرة الإذاعة
على مدار مسيرتها، تعاقب على قيادة الإذاعة عدد من الأسماء التي أسهمت في تطويرها والحفاظ على رسالتها، بينهم كامل البوهي، وعادل القاضي، ومحمد الشناوي، وعطية السيد، وعبد الصمد الدسوقي، وإبراهيم مجاهد، ورضا عبد السلام. كما شهدت الإذاعة علامة فارقة بتولي الدكتورة هاجر سعد الدين رئاستها، كأول سيدة تتولى هذا المنصب.
إطلاق تطبيق إلكتروني جديد: توسيع الانتشار العالمي
تزامنًا مع ذكرى افتتاح الإذاعة الأقدم من نوعها، جاء قرار الرئيس عبد الفتاح السيسي، خلال احتفالية ليلة القدر 2026، بإطلاق تطبيق إلكتروني وموقع رسمي لإذاعة القرآن الكريم. يهدف هذا إلى توسيع انتشار التلاوات القرآنية المصرية وإيصالها إلى مختلف أنحاء العالم، كرسالة محبة من مصر إلى العالم أجمع، تعكس مكانة الدولة المصرية وريادتها التاريخية في مجال تلاوة القرآن الكريم ونشر علومه.
وكانت الهيئة الوطنية للإعلام برئاسة الكاتب أحمد المسلماني قد وجهت الشكر إلى الرئيس السيسي على إعطائه الإذن بانطلاق موقع وتطبيق إذاعة القرآن الكريم من القاهرة. يضم الموقع جميع التلاوات ترتيلًا وتجويدًا، إضافة إلى جميع البرامج والابتهالات على مدى زمني يمتد لأكثر من 60 عامًا، ويتميز بسهولة التحرك خلال مكوناته والإفادة من خدماته بيسر شديد.
الخلاصة: أكثر من مجرد إذاعة
بين الماضي والحاضر، تظل إذاعة القرآن الكريم أكثر من مجرد وسيلة إعلامية؛ لتصبح ذاكرة صوتية لوطن، وسجل حي لرحلة الحفاظ على كتاب الله، وصوت مصري خالص نجح في أن يصل إلى القلوب قبل الآذان، محافظًا على رسالته في نشر الوسطية والطمأنينة في عالم تتسارع فيه التحديات.



