الذكرى الـ14 لرحيل البابا شنودة الثالث: مسيرة كنسية ومواقف وطنية بارزة
الذكرى الـ14 لرحيل البابا شنودة الثالث: مسيرة وطنية (17.03.2026)

الذكرى الـ14 لرحيل البابا شنودة الثالث: إرث كنسي ووطني لا يُنسى

تحيي الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، بوقار واحترام، الذكرى الرابعة عشر لرحيل البابا شنودة الثالث، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية رقم 117، الذي غادر دنيانا في مثل هذا اليوم من عام 2012، تاركًا وراءه إرثًا غنيًا من الخدمة الكنسية والمواقف الوطنية البارزة.

من الميلاد إلى البطريركية: رحلة حافلة بالإنجازات

وُلد نظير جيد روفائيل شنودة في 3 أغسطس 1923 بقرية سلام بمحافظة أسيوط، حيث نشأ في بيئة متواضعة غرست فيه قيم الإيمان والتفاني. اجتاز مراحله التعليمية الأولى في مدن دمنهور والإسكندرية وأسيوط وبنها، وأتم دراسته الثانوية بمدرسة الإيمان الثانوية بجزيرة بدران بشبرا مصر في عام 1939. بدأ خدمته الكنسية مبكرًا في مدارس التربية الكنسية بكنيسة العذراء بمهمشة بالقاهرة، ثم انتقل إلى كنيسة القديس الأنبا أنطونيوس بشبرا مصر في عام 1946.

في عام 1947، حصل على ليسانس الآداب قسم التاريخ من كلية الآداب بجامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة حاليًا)، وتخرج في نفس العام من كلية الضباط الاحتياط، مما أظهر تنوعًا في مسيرته التعليمية والعملية. تدرج في الحياة والخدمة بالكنيسة الأرثوذكسية، حتى وصل إلى سدة الكرسي المرقسي، حيث قاد الكنيسة لأكثر من 40 عامًا، شهد خلالها العديد من الأحداث الهامة على المستويين السياسي والكنسي.

قيادة كنسية ومواقف وطنية مشهودة

شغل البابا شنودة الثالث منصب بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، حيث تميز بمواقفه الواضحة في القضايا الوطنية. في فبراير 1991، اختير رئيسًا لمجلس الكنائس العالمي عن الأرثوذكس الشرقيين والشرق الأوسط، وفي 8 نوفمبر 1994، اختير رئيسًا لمجلس كنائس الشرق الأوسط عن عائلة الكنائس الأرثوذكسية الشرقية، وتجدد انتخابه في عامي 1998 و2003.

من أبرز مواقفه الوطنية مساندته للوطن خلال حرب أكتوبر 1973، حيث أظهر دعمًا لا يتزعزع للجيش المصري. كما استطاع أن يعبر بالكنيسة إلى بر الأمان خلال القرارات التي أصدرها الرئيس أنور السادات في سبتمبر 1981، والتي تضمنت إلغاء تعيينه بابا للإسكندرية وإقامته الجبرية بالمقر البابوي بدير القديس الأنبا بيشوي بوادي النطرون لمدة أربعين شهرًا، قبل أن يعود إلى مقر كرسيه في يناير 1985.

موقف ثابت من القضية الفلسطينية والصراع العربي الإسرائيلي

تميز البابا شنودة الثالث بموقف واضح ورافض للكيان الصهيوني، حيث أعلن في العديد من المناسبات رفضه لمزاعم أن إسرائيل هي "شعب الله المختار". في عام 1980، أصدر قرارًا مجمعيًا يمنع الأقباط من زيارة القدس بعد توقيع اتفاقية كامب ديفيد، مؤكدًا أن هذا القرار يستمر ما دام دير السلطان لم يُستعاد. ورسخ هذا الموقف بمقولته الشهيرة: "لن ندخل القدس إلا مع إخوتنا المسلمين".

في عام 1991، رسم البابا شنودة الأنبا إبراهيم مطرانًا على القدس وكرسي أورشليم والخليج، لكنه رفض زيارة القدس لتجليسه على كرسيها، وأرسل وفدًا من كبار المطارنة والأساقفة برئاسة الأنبا بيشوي مطران دمياط وكفر الشيخ والبراري آنذاك. كما دافع بشدة عن القضية الفلسطينية، حيث قاوم أكاذيب المحتل، مما جعله محل احترام من الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، الذي كان يزوره في العباسية كلما جاء إلى القاهرة.

عندما حاصرت إسرائيل ياسر عرفات في رام الله، أقام البابا شنودة المؤتمر الوطني الشعبي من أجل تأييد الشعب الفلسطيني في 11 أبريل 2002 في الكاتدرائية بالعباسية، معلنًا دعمه للقضية الفلسطينية وقضية القدس.

أقوال مأثورة وإرث روحي

ترك البابا شنودة الثالث العديد من الأقوال المأثورة التي تعكس حكمته وإيمانه العميق، منها:

  • "كله للخير مسيرها تعدى".
  • "مصر وطن يعيش فينا وليس وطن نعيش فيه".
  • "إن ضعفت يومًا فاعرف أنك نسيت قوة الله".
  • "أعط من قلبك قبل أن تعطى من جيبك".
  • "الضمير هو صوت وضعه الله في الإنسان يدعوه إلى الخير ويبكته على الشر".

هذه الأقوال تظل نبراسًا للأجيال، تعكس فلسفته في الحياة والخدمة، حيث أكد أن الخير يجب أن يكون طبعًا تلقائيًا، مثل التنفس.

بهذا، تبقى ذكرى البابا شنودة الثالث حية في قلوب الملايين، كرمز للقيادة الكنسية الحكيمة والوطنية الصادقة، التي تركت أثرًا عميقًا في تاريخ مصر والكنيسة القبطية الأرثوذكسية.