معتز علي: لا تراهن على هوية المصري.. فجدّته هي القائدة في مواجهة الزلزال
معتز علي: جدّته القائدة في زلزال 1992 ترمز لهوية المصري

معتز علي يكتب: لا تراهن على هوية المصري.. فجدّته هي القائدة في مواجهة الزلزال

في مسيرة الأوطان، تمر الشعوب بمحطات حاسمة تتطلب من كل فرد أن ينهض بمسؤولياته، وأن يسهم بجهده وفكره في دعم الوطن ومساندته، مهما كانت التحديات والظروف الصعبة. فالوطن لا يُبني بالكلمات الجوفاء فقط، بل بالعزم الراسخ والصبر الطويل والعمل المشترك، خاصة في أوقات الشدائد والأزمات التي تختبر قوة المجتمع وتماسكه.

دروس ثمينة من المواقف البسيطة

قد نمر بمواقف نراها في حينها بسيطة أو عابرة، لكنها مع مرور الزمن تُثبت لنا أنها كانت دروسًا ثمينة، تُسهم في نضجنا وفهمنا العميق للحياة ومعانيها. ومن هنا، تبرز أهمية التكاتف والتلاحم بين أبناء الوطن، ونشر ما يعزز وحدة الصف، ويقوي أواصر المجتمع، لنبني معًا وطنًا قويًا قادرًا على تجاوز المحن وتحقيق الطموحات الكبيرة.

البحث عن الأمان في زمن القلق

في زمن تكثر فيه الأخبار المتقلبة والأحداث التي تزيد من شعور القلق والخوف، يجد الإنسان نفسه يبحث عن الأمان، عن منبع الطمأنينة التي تمنحه الثقة بأن الغد سيكون أفضل. وفي خضم هذه اللحظات العصيبة، تذكرت قصة بسيطة لكنها تحمل في تفاصيلها أسمى معاني الثبات والصبر والشجاعة، قصة جدتي في فترة زلزال القاهرة عام 1992.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

كان ذلك الزلزال حدثًا غيّر حياة الكثيرين، وأشعل في قلوب الناس مشاعر الخوف من المجهول ومن أن تنهار مساكنهم وأحلامهم تحت أنقاض الأرض. في تلك الأيام، كانت جدتي تقيم مع بنت خالي التي كانت تدرس في الجامعة، بعدما سافر خالي للعمل في دولة عربية، وكانت جدتي هي من تعتني بها.

دور الجدّة في لحظة الخطر

حين وقع الزلزال، قرر خالي أن أذهب للإقامة مع جدتي وابنته كابن راشد قادر على حمايتهما في أوقات الخطر، فوافقت والدتي ورحبت الفكرة. في تلك الأثناء، بدأت وسائل الإعلام تحذر من توابع للزلزال، وتعلن عن أوقات متقاربة قد تحمل معها المزيد من الهزات.

وفي وسط هذا الأجواء المتوترة، وجهت حديثي لجدتي قائلاً: «يلا يا تيتا، ننزل، الوقت قرب للتوابع». كانت جدتي ترد بهدوء وحكمة: «انزلوا إنتو». استغربت وسألتها: «ليه يا تيتا؟ في جنينة وسط العمارات، وكل الناس نازلة قاعدة فيها»، لكنها ردت بثبات: «انزل إنت وبنت خالك، وخلي بالك منها».

ثبات لا يتزعزع

حاولت إقناعها: «طب يلا يا تيتا، إنت مش قادرة تنزلي؟ أنا أفضل أكون معاكي». بابتسامة حنونة قالت: «لا يا حبيبي، ستك ما بتنزلش». سألتها بقلق: «ليه بس يا تيتا؟ ما أنا معاكي». أجابتني بحزم: «إحنا ما بنسيبش مكاننا، إحنا بنموت فيه».

في تلك اللحظة، وقفت أنظر إليها، وتذكرت لقطة لها في منزلها وهي جالسة في ركن خاص بها في الصالة وفوق رأسها صورتان: إحداهما للكعبة المشرفة، والأخرى للجيش المصري، ووقتها أدركت شيئًا عميقًا.. جدتي ليست فقط امرأة في بيتها، بل هي جندي من جنود هذا الوطن.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

رمز للأمان والقوة

ذلك الثبات، ذلك الصبر، ذلك الإيمان بالمكان الذي ننتمي إليه، كل هذا جعل منها رمزًا للأمان والقوة خصوصاً أنها في ذالك الوقت كانت تتمتع بصحة تتيح لها التحرك دون صعوبة. هذه هي جدتي، وهذه هي صورة مصر الحقيقية: شعب لا يهرب من مواجهة المصاعب، بل يواجهها بثبات وعزيمة.

فحين نمر بأوقات الخوف، لا ننسى أن الأمان في أيدينا، في أيدٍ مثل يد جدتي، التي لم تخف ولم تترك مكانها، بل كانت هي الجندي. هذه القصة تذكرنا بأن هوية المصري لا تكمن في الكلام، بل في الأفعال والانتماء العميق للوطن، خاصة في لحظات الأزمات مثل الزلزال.