قصة صمود جدة غزية ترعى 36 حفيداً يتيماً بعد استشهاد أبنائها
في خيمة مهترئة تقف على شاطئ بحر غزة، يتصاعد بخار الماء من قدر صغير يغلي فوق موقد متواضع، بينما تراقبه الجدة الستينية رضا عليوة، المعروفة بين جيرانها بـ"أم محمد"، بصمت ثقيل يحمل هموم عالم كامل. حولها يلتف عشرات الأطفال بعيون متعبة تنتظر وجبة لم تتذوقها منذ أيام، فيما تختلط أصوات أمواج البحر بقرقرة بطونهم الجائعة. منذ أن فقدت خمسة من أبنائها دفعة واحدة، أصبحت هذه الجدة النازحة من حي الشجاعية شرق مدينة غزة المسؤولة الوحيدة عن 36 حفيداً يتيماً، أكبرهم يبلغ 17 عاماً وأصغرهم لم يتجاوز الأربعة أشهر.
مأساة متتالية: استشهاد الأبناء وحمل الأحفاد
تعيش أم محمد حياة مأساوية على المستويين الجسدي والنفسي، بدأت حين استشهد خمسة من أبنائها تباعاً خلال أيام قليلة. تحكي بصوت حزين كيف فقدت نجلها البكر محمد في الأسبوع الأول من سبتمبر الماضي، ثم استشهد باقي أبنائهم عزت ومحمدين ورشا ونائلة في الثاني عشر من الشهر ذاته، ليركوها وحيدة أمام حمل ثقيل من 36 حفيداً.
"برقبتي كل أبناء ولادي"، تقول الجدة بلهجة مليئة بالألم، "فيهم يتيم الأب، وفيهم اللي أبوهم وأمهم الاثنين استشهدوا وما باقي ليهم أحد في الدنيا غيري. محمد الله يرحمه عنده 10 أولاد، وعزت تركلي 5، وبنتي أم حمادة الله يرحمها معاها 9 بنات وولد، ورشا الله يرحمها معاها ولد وصار يتيم الأبوين، وابني محمود معاه 9".
معاناة يومية: بين الجوع وحيل البقاء
يعتمد الأطفال على السيدة الستينية بشكل كامل في جميع احتياجاتهم الأساسية. زوجها رجل مسن يعاني من أمراض القلب والغضروف ولا يقدر على بذل أي مجهود، كما أن أدويته غير متوفرة بشكل دائم. "أنا اللي مسؤولة عن توفير الأكل والشرب وكل شيء"، تؤكد أم محمد.
تشير إلى أن وقت الطعام هو أصعب اللحظات التي تواجهها يومياً مع أحفادها، خاصة مع حلول شهر رمضان وعدم قدرتها على توفير ما يسد جوعهم. "من وقت ما أصحى بروح ألف في الشوارع على تكيات الأكل اللي بيعملها أهل الخير عشان أجيب أي شيء للأطفال"، تقول.
في كثير من الأحيان، عندما تعود خالية اليدين، تلجأ إلى حيلة مؤلمة لإلهاء الصغار: "بضل على هذه الحالة ساعات والماء بيغلي لحد ما أتأكد إن الأولاد نامو وبطفي النار وأشيل القدر. ووقت الصباح بيسألوني فين الأكل يا ستو، وقتها بحكيلهم انتوا نمتوا والطبيخ باظ".
أزمة الأيتام في غزة: أرقام مفجعة
بحسب الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، يعيش قطاع غزة أكبر أزمة يُتم في التاريخ الحديث:
- تجاوز عدد الأطفال الأيتام 39 ألفاً و384 طفلاً فقدوا أحد والديهم أو كليهما منذ بدء العدوان الإسرائيلي.
- نحو 17 ألف طفل حرموا من كلا الوالدين.
- بلغ عدد الشهداء الأطفال 17 ألفاً و954 طفلاً، بينهم 274 رضيعاً و876 طفلاً دون عام واحد.
- توفي عشرات آخرون بسبب البرد في الخيام والمجاعة وسوء التغذية.
وفق تقرير الأمن الغذائي، من المتوقع أن يعاني حوالي 1.95 مليون شخص في غزة من مستويات عالية من انعدام الأمن الغذائي الحاد، ويشمل ذلك:
- حوالي 345,000 شخص قد يواجهون انعداماً غذائياً كارثياً.
- تسجيل حوالي 60,000 حالة من سوء التغذية الحاد بين الأطفال من عمر 6 إلى 59 شهراً.
- من بينهم 12,000 حالة من سوء التغذية الحاد الوخيم الذي قد يؤدي إلى مضاعفات صحية خطيرة أو الموت.
- 16,500 امرأة حامل ومرضع تحتاج إلى العلاج بسبب سوء التغذية الحاد.
نداءات استغاثة وحلول عاجلة
من جهته، قال وكيل وزارة التنمية الاجتماعية المساعد في غزة الدكتور رياض البيطار إن الحرب الإسرائيلية رفعت عدد الأطفال الأيتام إلى 57 ألفاً، بعدما فقد 40 ألف طفل أحد والديهم أو كليهما، وبعضهم بقي وحيداً من بين جميع أفراد عائلته.
"القطاع بات بحاجة على الأقل إلى 5 دور رعاية للأيتام"، أشار البيطار، مؤكداً على ضرورة "توفير كفالات عاجلة للأيتام والأسر التي تقوم على رعايتهم".
وسط هذه الأرقام المفجعة، تبقى قصة الجدة رضا عليوة وأحفادها الـ36 نموذجاً صارخاً للمعاناة الإنسانية في غزة، حيث تتحمل امرأة في الستين من عمرها أعباء جيل كامل، وتواجه الجوع والعوز بصمود لا يخلو من دموع صامتة وأمل متجدد في غد أفضل لأحفادها الذين حرموا من دفء الأسرة وأمان المنزل.



