حكاية طريفة من ذاكرة الإذاعة المصرية: 7 فناجين قهوة لشاكر نخلة في رمضان
في أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي، كانت الإذاعة المصرية صوتاً مسموعاً يلتف حوله ملايين المستمعين، قبل أن يطل عصر الإرسال التليفزيوني في يوليو 1960، ثم عصر الفضائيات والسماوات المفتوحة منذ بداية تسعينات القرن الماضي. كان مبنى الإذاعة القديم في شارع علوي، أو بعد ذلك في 4 شارع الشريفين، يشبه خلية نحل قبل بداية شهر رمضان بأسابيع، وطوال أيامه ولياليه، حيث كانت المحطات الإذاعية -رغم قلتها في ذلك الوقت- تتسابق على اجتذاب أذن المستمع بما يسلي صيامه أو يشجعه على السهر حتى موعد السحور.
لذلك، كان من المعتاد جداً أن تجد معدين وإذاعيين يقيمون بمبنى الإذاعة لأيام دون أن يغادروا إلى منازلهم، أو يقضوا أوقات الشهر الفضيل مع ذويهم. وسط هذه الأجواء الرمضانية المشحونة بالحركة والنشاط، تتعدد الحكايات والذكريات الإذاعية، ومن بينها هذه الحكاية الطريفة التي كان بطلاها شاعر الثلاثية المقدسة الكاتب الصحفي صالح جودت والإذاعي الرائد حافظ عبدالوهاب، الذي أعطى للعندليب الراحل عبدالحليم حافظ اسم شهرته.
اجتماع إذاعي في رمضان وضيق الوقت
روى صالح جودت واقعة حدثت له في فترة إدارة شركة ماركوني للإذاعة المصرية، أي قبل عام 1949، حيث اجتمع هو ومجموعة من الإذاعيين ذات مساء في رمضان لاستكمال برامجهم التي تم وضعها على الخريطة الإذاعية. بات لزاماً عليهم الانتهاء منها في أسرع ما يمكن، وإلا حدثت مشكلة وأصبحت مصداقية الإذاعة المصرية محل شك. هذه المجموعة ضمت كلاً من رواد الإذاعة الأوائل: علي خليل، محمد فتحي، حافظ عبدالوهاب، عبدالحميد يونس، عبدالوهاب يوسف، شاكر نخلة، وصالح جودت بطبيعة الحال.
يذكر صالح جودت، في إحدى مقالاته بمجلة الكواكب في أواخر الخمسينيات، أنه في إحدى سهرات الشهر الكريم دق على هؤلاء مدفع الإمساك دون أن يشعروا به من شدة انهماكهم في العمل. ومن ثم، لم يتمكن أي منهم من السحور في تلك الليلة، ومع ذلك كان لزاماً عليهم الاستمرار في العمل دون نوم. وهذا معناه أن عليهم صيام اليوم التالي دون نوم أو سحور، وهو ما لم يستطع أي منهم تحمله مهما حاولوا المقاومة.
حيلة ذكية لتناول القهوة دون كسر الصيام
لدرجة أن المخرج عبدالتواب يوسف أخذ رأسه يسقط من شدة الإعياء، وبدأ عبدالحميد يونس يبحث عن كرسي إضافي يصنع منه سريراً، وكان الباقون يحاولون إيقاظ أنفسهم، إما بغسيل الوجه أو بأي وسيلة أخرى، ولكن دون جدوى. فاتفقوا جميعاً على احتياجهم لفنجان قهوة كي يستطيعوا مواصلة العمل في هذا النهار الصعب، ولكن كيف تكون صورتهم أمام عم حسين، عامل البوفيه العجوز، الذي لم يعهد أياً منهم مفطراً في رمضان؟
وهنا قال لهم حافظ عبدالوهاب: دعوني أتصرف. فقد تفتق ذهن الإذاعي الكبير عن حيلة طريفة استغل فيها صديقهم السابع، إذ كان شاكر نخلة مسيحياً قبطياً، وهو الوحيد بينهم الذي يمكن أن يكون مفطراً في ذلك اليوم. وفجأة نادى حافظ عبدالوهاب عم حسين، وقال له بكل حزم وثقة: من فضلك يا عم حسين 7 قهوة للأستاذ شاكر نخلة!!
وهنا ضج الجميع بالضحك، بمن فيهم عم حسين نفسه، الذي فهم الموقف دون أن يسأل أياً من الإذاعيين السبعة عن تفسير ذلك، بل وجارى الجميع بخفة دم عظيمة، وسأل الأستاذ شاكر نخلة: فناجين قهوتك إيه يا أستاذ شاكر؟ فدخل شاكر نخلة على خط الموقف الكوميدي، وأجاب عم حسين: «والله اعمل لي تشكيلة كده على ذوقك يا عم حسين، يعني واحد سادة على واحد سكر زيادة، وواحد على الريحة على واحد مظبوط، والباقي على مزاجك».
نهاية الحكاية وذكريات الإذاعة الذهبية
وبعد دقائق جاء عم حسين بالفناجين السبعة، ووضع جميعها أمام شاكر نخلة، ثم انصرف وهو يضحك، ولم ينسَ أن يغلق عليهم باب المكتب. وسمعه صالح جودت وهو يتمتم: «إن الله حليم ستار». هذه الحكاية الطريفة تظل جزءاً من ذاكرة الإذاعة المصرية الذهبية، حيث كان العمل الجماعي والروح المرحة يسيطران على الأجواء، حتى في أصعب اللحظات خلال شهر رمضان المبارك.
