دمياط تستقبل رمضان بمائدة البط: عادة قرنية تتحدى التضخم
مع بزوغ فجر أول أيام شهر رمضان المبارك، تتنفس محافظة دمياط رائحة التراث العتيق، حيث تستعد الموائد في كل بيت لاستقبال "ملك الإفطار"، في مشهد فريد لا يتكرر إلا في هذه البقعة الساحلية. هذه ليست مجرد وجبة عابرة، بل هي "مذبحة البط" السنوية التي تفتح بها دمياط أبواب الخير، مجسدة تقاليد اجتماعية راسخة تمتد لأكثر من مائة عام، يتربع فيها البط على عرش السفرة ليجمع القلوب والأجيال في لحظات من البهجة والوئام.
فن الطهي الدمياطي: من "المارتة" إلى "الأممة"
تتفنن المرأة الدمياطية في منح "البطة" هويتها الخاصة؛ فهي لا تطهى كأي طير آخر، بل تتدلل بحشوة "المارتة" السحرية، ذلك البصل المتبل بعناية والذي يمتزج بدسامة البط ليفوح عطرًا يملأ الأزقة والشوارع. ومع أول لقمة من "الأممة"، وهي الرقائق المشبعة بمرق البط واللحم المفروم، يدرك الجميع أن رمضان قد حل ضيفًا غاليًا، فالمذاق هنا ليس مجرد طعم، بل هو رائحة الذكريات وعبق التاريخ الذي لم ينطفئ رغم مرور العقود، مما يجعل هذه الوجبة لوحة فنية من المذاق والتراث.
"لمة العيلة": سر البهجة الدمياطية في رمضان
تجتمع العائلات الدمياطية اليوم لتسطر أروع صور الترابط الأسري؛ حيث تفتح البيوت أبوابها على مصراعيها، ويتبادل الأقارب العزومات في مشهد يملأه الود والفرح. يجلس الجد والجدة في صدارة السفرة، ويحيط بهما الأبناء والأحفاد في حالة من السعادة الغامرة، مؤكدين أن طعم البط لا يحلو إلا بضحكات الأهل وصوت "اللمة السعيدة" التي تجمع القلوب قبل الأبدان في أجواء روحانية خاصة. هنا، يسعى الجميع لإسعاد بعضهم في هذا الجمع المبارك، مما يعزز قيم المحبة وصلة الأرحام.
تحدي الأسعار: عادة الـ 100 عام لا تهزم
رغم أن أسعار البط في أسواق دمياط تتراوح حاليًا ما بين 300 و500 جنيه للبطة حسب الوزن والنوع، إلا أن الدمياطيين يرفضون التخلي عن هذا التقليد العريق. وسواء كان الاختيار هو "المرجان" أو "السوداني" الأغلى سعرًا، أو "البلدي" الأصيل، تظل القيمة الحقيقية في ذلك الالتفاف العائلي حول مائدة واحدة. بهذا، يعلنون للعالم أن "مذبحة البط" في دمياط هي في الحقيقة احتفالية حب وصناعة لبهجة لا تنتهي في أول أيام الشهر الكريم، متحدين كل التحديات الاقتصادية.
هذه العادة الرمضانية تعكس عمق التراث الدمياطي وقوة التماسك الاجتماعي، حيث تتحول المائدة إلى جسر للمحبة، مؤكدة أن بعض التقاليد تبقى خالدة رغم كل الظروف. في دمياط، البط ليس مجرد طعام، بل هو رمز للوحدة والفرح، يحافظ عليه الأهالي جيلًا بعد جيل، ليبقى هذا الإرث الثقافي نابضًا بالحياة.