أنيس منصور يستعرض تحولات رمضان: من المسحراتي إلى التلفزيون
في عام 1972، نشرت مجلة الجديد ملفاً شاملاً عن شهر رمضان، تضمن تقريراً للصحفي عبد الوهاب عبد ربه، ورداً عليه من الكاتب أنيس منصور، حيث سلطا الضوء على التغيرات الجذرية في مظاهر الشهر الكريم في القاهرة عبر العقود.
رمضان زمان: كرم الأسر العريقة وروحانية القرآن
يصف عبد الوهاب عبد ربه في تقريره كيف كانت القاهرة قبل نصف قرن، حيث كانت الأسر العريقة تملك بيوتاً تقدم مخزوناً من الأرز والدقيق والسكر والمسلى، لتوزيع وجبات الإفطار على الفقراء والمساكين وعابري السبيل. فمع إطلاق مدفع الإفطار، كان الخدم يخرجون حاملين صواني الصاج المزوقة، مليئة بأنواع الطعام من لحوم وخضر ومشهيات، وأكواب قمر الدين والتمر. بعد الإفطار، كان القرآن الكريم يصدح في البيوت خلال صلاة التراويح، مما يعكس الجو الروحاني السائد.
وكان شهر رمضان يمثل موسماً للفقهاء لتلاوة القرآن، لكن مع ظهور الراديو، أصبح عمل القراء محدوداً، واقتصر على أصحاب الأصوات الممتازة الذين تدعوهم الإذاعة للقراءة عبر موجاتها في رمضان.
تغير العادات: من الاحترام إلى الإهمال
وأضاف عبد ربه أن شهر رمضان كان يحظى بمراعاة خاصة للصائمين، بينما الآن، يأكل الناس في الطريق وعلى المقاهي، بل ويدخن بعضهم في وسائل المواصلات، وتزدحم المطاعم بالزوار نهاراً. ومع ذلك، لا تزال بعض الأحياء تحافظ على عاداتها، مثل حي الحسين والسيدة زينب، حيث تغلق المقاهي نهاراً، وتتزين محلات الفوانيس والكنافة والقطائف بالأضواء، ويخرج الأطفال بعد الإفطار حاملين الفوانيس المضاءة ويرددون الأغاني التقليدية.
لكن في أحياء مثل الزمالك وجاردن سيتي ومصر الجديدة، لا يعرف السكان المسحراتي، لأنه لا يجرؤ أحد على إزعاج الأثرياء هناك، مما أدى إلى تلاشيه إلا في الأحياء القديمة.
أنيس منصور: رمضان أصبح شهر الشراهة والطعام
في مقاله، يعلق أنيس منصور على هذه التغيرات، قائلاً: "أصبح شهر رمضان شهر الشراهة والطعام الكثير، والكثير جداً، والشراب والسهر، الذي ينتهي عادة بالكعك والبسكويت والغريبة، والملابس الجديدة، والذهاب إلى القرافة لقراءة الفاتحة على المرحومين." ويشير إلى أن رمضان القديم الذي نقرأ عنه في الكتب لم يعد موجوداً، فلم تعد هناك مواكب للرؤية، وندر وجود المسحراتي الذي كان يوقظ النائمين للسحور.
فالمسحراتي الذي كان يتجول ليلاً حاملاً طبلته، مصطحباً طفلاً يحمل مصباحاً لينير له الطريق، وينادي: "اصحى يا نايم.. وحد الرزاق.. رمضان كريم، قوموا تسحروا فإن في السحور بركة"، قد اختفى، واقتصر الإعلان عن موعد السحور على التلفزيون فقط. حتى مدفع الإفطار أصبح مثل ساعة جامعة القاهرة المعطلة، التي تدق في الإذاعة فقط لتوحيد الوقت.
تطور الفوانيس وتأثير التلفزيون
ويضيف أنيس منصور: "إذا كان الفانوس أشهر العلامات الرمضانية في مصر منذ عهد الفاطميين، فقد اختفى هو الآخر، وظهرت بدلاً منه تقليعات جديدة بعيدة كل البعد عن فانوس زمان." فاختفت الشمعة، وحل محلها الفانوس البلاستيكي والعروسة والمستورد الذي يعمل بالبطاريات. حتى في الريف، لم يعد أحد يعرف رمضان القديم، لأن الفلاحين أصبحوا لا ينامون مبكراً، ويجلسون أمام التلفزيون لمشاهدة الفوازير والمسلسلات، مثل أهل القاهرة تماماً.
تغير شكل الحياة والطقوس الرمضانية
فكما تغير شكل الحياة في مصر، تطورت الطقوس والمظاهر الرمضانية بالمثل، وأصبح الجميع يتساءل: "فين رمضان زمان، اللى كان وكان، وكان زمان." هذا التحول يعكس التأثير العميق للتطور التكنولوجي والاجتماعي على العادات التقليدية، مما يجعلنا نسترجع ذكريات الماضي بكل حنين.



