عندليب رمضان.. عبد الحليم حافظ يهدي المسلمين ابتهالات خالدة دون أجر
عبد الحليم حافظ يقدم ابتهالات رمضانية دون أجر

عندليب رمضان.. عبد الحليم حافظ يهدي المسلمين ابتهالات خالدة دون أجر

لم تكن إبداعات الفنان الراحل عبد الحليم حافظ مجرد ألحان عاطفية وأغانٍ وطنية فقط، بل امتدت لتشمل بصمةً رمضانية خالصة ونادرة. فقد قدم العندليب الأسمر للمستمعين في مصر والعالم العربي والإسلامي، مجموعةً مميزة من الأدعية والابتهالات الدينية العذبة، دون أن يتقاضى عنها أي أجر مادي، تمامًا كما اعتاد أن يشارك في المناسبات الوطنية والاجتماعية بإخلاصٍ ومحبةٍ صادقة.

صدقة جارية.. هدية رمضانية خالدة

يُحسب لعبد الحليم حافظ أنه قدم أول فوازير دينية عبر الإذاعة المصرية، دارت حول المساجد التاريخية في مصر. ومع حلول شهر رمضان المبارك كل عام، تعود تلك الابتهالات العذبة التي سجلها هديةً للمسلمين، لتتردد على أمواج الإذاعات حتى اليوم. من أبرز هذه الأعمال الخالدة: «أنا من تراب»، «ع التوتة والساقية»، «يا رب سبحانك»، وغيرها من القطع التي تحمل نفحاتٍ روحانية عميقة.

كتب هذه الابتهالات الشاعر الصوفي عبد الفتاح مصطفى، بينما تولى تلحينها الموسيقار محمد الموجي. والمثير للدهشة أن الثلاثة – عبد الحليم والشاعر والملحن – لم يتقاضوا عنها مليمًا واحدًا، إذ اعتبروها جميعًا صدقةً جارية تبقى أجرها مستمرًا. كان المخطط الأصلي يشمل تسجيل 30 ابتهالًا لتغطية أيام الشهر الكريم، لكن عبد الفتاح مصطفى كتب 11 دعاءً فقط، شكلت لاحقًا رصيدًا رمضانيًا ثريًا لا يمكن الاستغناء عنه في الإذاعة المصرية والعديد من الإذاعات العربية الشقيقة.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

مناجاة خاشعة.. «أنا من تراب» نموذجًا

في رمضان عام 1974، قدّم عبد الحليم حافظ عبر إذاعة الشرق الأوسط دعاء «أنا من تراب»، من كلمات عبد الفتاح مصطفى وألحان محمد الموجي. جاءت الكلمات تحمل معاني التواضع والسمو الروحي معًا:

أنا من تراب والإرادة هي سرك فيه
تنوّره بحكمتك وبرحمتك تهديه
إلهِمْني حب الخير وحب الجمال والحق
خلّيني أقول للشيطان مهما غواني: لأ…
يا رب سبحانك.

يعكس هذا الدعاء حالة صفاء نادرة في أداء العندليب، حيث يبدو وكأنه في مناجاة خاشعة مع الخالق، متجردًا من كل الأضواء والشهرة.

باقة من الأدعية الخالدة

من بين الابتهالات الأخرى التي سجلها عبد الحليم حافظ:

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي
  • «نفضت عينيّا المنام»: يقول فيه «نفضت عينيّا المنام وقمت والناس نيام، وقفت أرتّل كلامك… أغلى وأحلى كلام».
  • «ع التوتة والساقية»: سُجّل أيضًا في رمضان 1974 بألحان الموجي: «ع التوتة والساقية، ألمح كل يوم عصفور، فرحان يغني ويرقص للندى والنور».
  • «بين صحبة الورد»: كتبه أحمد السمرة ولحنه فؤاد حلمي عام 1975: «بين صحبة الورد شوف أجمل عيون وخدود، لون وعطر وندى… ربنا المعبود».
  • «بيني وبين الناس» و«ادعوك يا سامع دعائي» الذي قُدّم ليلة أول رمضان 1971، وكتبه عبد الفتاح مصطفى عقب نكسة 1967.
  • «رحمتك في النسيم» و«يا خالق الزهرة» و«خلّيني كلمة» الذي أدّاه بخشوع بالغ: «خلّيني كلمة تصحّي الناس وتهديهم، خلّيني رحمة تمس جراح وتشفيها».

شهادات فنية في حق التجربة

أشاد الموسيقار عمار الشريعي بهذه التجربة الفريدة، مؤكدًا أن عبد الفتاح مصطفى تصدر الكتابة الدينية لعبد الحليم بفيضٍ من المعاني الروحية، خاصة في فكرة "العند مع الشيطان" والقدرة على قول "لا"، معتبرًا أنها من أصعب الكلمات في مواجهة الغرائز والرغبات البشرية.

من جانبه، أوضح الشاعر الغنائي مصطفى الضمراني أن عبد الحليم حافظ لم يتقاضَ أي أجر عن أغانيه الدينية، بل كان يعتبرها صدقة جارية تبقى له بعد رحيله. وأشار الضمراني إلى أن هذه الأعمال خرجت بروحٍ أقرب إلى التعبد ومحاولات صادقة للتقرب إلى الله، خاصة في سنوات العندليب الأخيرة حين بدأ يستشعر اقتراب أجله. بل وكان عبد الحليم ينفق من ماله الخاص على ألحان هذه الابتهالات وأجور العازفين المشاركين فيها، مما يؤكد صدق نيته وإخلاصه في هذه الهدية الروحية للأمة الإسلامية.

مع بدء الإرسال التليفزيوني في مصر، جرى تسجيل هذه الأدعية مصحوبة بلقطات من أفلام تسجيلية، دون أن يظهر عبد الحليم فيها بصورته، مما أضفى عليها طابعًا روحانيًا خالصًا. وهكذا تبقى هذه الابتهالات رمضانًا بعد رمضان، شاهدةً على جانبٍ مجهولٍ من حياة فنانٍ عظيم، فضّل أن يهدي الجميع جزءًا من روحه قبل أن يرحل.