ذكريات رمضانية للفنانة شادية: بين الفوانيس والأوزة والنجاة من الموت
في شهر رمضان المبارك، تحمل الذكريات مكانة خاصة في قلوب الناس، والفنانين ليسوا استثناءً من ذلك. الفنانة الراحلة شادية، التي أثرت الساحة الفنية بأعمالها الخالدة، تروي في حوار نادر لمجلة الكواكب عام 1977 ذكرياتها الغنية في الشهر الكريم، حيث تجمع بين الطقوس الدينية والمواقف الطريفة والمغامرات التي كادت تتحول إلى مأساة.
بدايات رمضان مع فانوس أبو شمعة
تقول شادية: "كل منا يحمل ذكريات جميلة في شهر رمضان تختزنها ذاكرتنا منذ أيام الطفولة". بالنسبة لها، أول ما يخطر على بالها هو فانوس رمضان أبو شمعة، الذي كان له مكانة خاصة في نفسها وكل بنات جيلها. كانت تتنافس مع الآخرين في اقتناء الفوانيس بألوانها الجميلة، حيث كان والدها يحضر لكل واحد منهم فانوساً جديداً كل عام. تضيف: "كنت أحرص على أن أقتني فانوساً جديداً أضيفه إلى مجموعة الفوانيس التي احتفظ بها، وكل واحد منهم له ذكريات مختلفة معي".
تربية دينية وموقف طريف مع الأوزة
عاشت شادية فترة من الزمن في مدينة أنشاص، حيث كان والدها يحرص على تنشئة أولاده على التربية الدينية وتعاليم الإسلام السمحة. كان يصر على أداء الفرائض كاملة من صلاة وصيام، خاصة في الشهر الفضيل. تروي ذكرياً طريفاً: "كنا نعيش في أنشاص، وقد تشكك من حولنا في اليوم الذي نبدأ فيه أول أيام الصيام. تسحرنا وبدأنا الصيام، لكننا فوجئنا في صباح اليوم التالي بصدور إشارة تليفونية تفيد أن المفتى لم يستطع رؤية الهلال بالأمس، وبالتالي لم تثبت الرؤية". كانت أمها قد أعدت أوزة سمينة وملوخية، وبعد أن أتوا على الأوزة، فوجئوا بشيخ مسجد المدينة يخبرهم بأن اليوم هو الأول من رمضان. ما كان من والدها إلا أن أوقفهم عن الإفطار إلى حين يؤذن للمغرب.
مغامرة خطيرة في مزارع جناكليس
في عام 1954، أثناء تصوير فيلم "ليلة من عمري" في مزارع جناكليس، واجهت شادية وزملاؤها موقفاً كاد أن يتحول إلى مأساة. تقول: "ذهبنا إلى المزارع التي تبعد عن الإسكندرية 60 كيلومتراً، وكان التصوير في شهر رمضان. نظراً لبعد المسافة، اتفقنا على الإقامة في قلب المزارع لتوفير الجهد". بعد الإفطار، كان العاملون في الفيلم يجتمعون في سهرات فكاهية تضم نجوماً مثل المخرج عاطف سالم والكاتب السيد بدير وعماد حمدي وزهرة العلا.
سرى خبر وجود الفنانين في المزارع، وبدأ الأهالي يحضرون للاستمتاع بالسهرات. من بين الحضور كان العمدة وضابط النقطة وشيخ البلد. الفكاهي أحمد الحداد، المعروف بنكاته وقفشاته، كان يقدم فقرات مضحكة. لكن إحدى الليالي، جاءت نكاته عن العمد، مما أثار غضب فريق كان يجلس ساكتاً ويظن أن الحداد يسخر من العمدة.
طلقة نارية ونجاة بأعجوبة
وتضيف شادية: "وفجأة سمعنا طلقة نارية، والعمدة في مكانه لم يتزحزح. قالوا إن خفير العمدة أطلق الرصاص للإرهاب". تنبهت أسرة الفيلم أن في الأمر شيئاً خطيراً، وأفهمت الحداد الموقف، حيث كانت في شدة الخوف. ساد صمت رهيب، والعمدة يتوعد بالانتقام. أنقذ الموقف وصول ضابط نقطة البوليس، الذي أجرى صلحاً بين الفريقين وأقنعهم أن أحمد الحداد فنان ضيف لا يقصد إلا الترفيه.
ختام الذكريات والعودة إلى القاهرة
تقول شادية: "انقضت الليلة على خير بعد أن كادت تقع مذبحة لا يعلم أحد نتائجها". أوقفوا سهرات رمضان حتى انتهى تصوير المشاهد في مزارع جناكليس، ثم عادوا إلى القاهرة لاستكمال الاحتفال بالشهر الكريم. هذه الذكريات تظهر كيف جمعت شادية بين الالتزام الديني والعمل الفني، في رحلة مليئة بالعبر والمواقف التي لا تنسى.
