الكنيسة القبطية تحيي ذكرى القديس نركيسوس أسقف أورشليم صاحب معجزة إضاءة القناديل بالماء
الكنيسة تحيي ذكرى القديس نركيسوس صاحب معجزة القناديل

الكنيسة القبطية تحيي ذكرى القديس نركيسوس أسقف بيت المقدس

تحيي الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، تحت رئاسة قداسة البابا تواضروس الثاني بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، ذكرى نياحة القديس نركيسوس أسقف بيت المقدس، الذي يُعد أحد أبرز آباء الكنيسة في القرون الأولى للمسيحية.

حياة القديس نركيسوس وخدمته الرعوية

بحسب السنكسار الكنسي، تنيح القديس نركيسوس في مثل هذا اليوم من عام 222 ميلاديًا، بعد حياة امتدت لنحو 116 عامًا، قضى معظمها في خدمة الكنيسة بكل إخلاص وتفانٍ. وقد قدم إلى بيت المقدس سنة 190 ميلاديًا خلال حكم الإمبراطور ألكسندروس، الذي عُرف بتسامحه الكبير مع المسيحيين، حيث تولى رعاية شعب الكنيسة هناك وعُرف بقداسته البالغة وحكمته الفائقة في إدارة شؤون الرعية.

فترة الاضطهاد ومعجزة القناديل

تغيرت الأوضاع بشكل جذري بعد وفاة الإمبراطور ألكسندروس وتولي الإمبراطور مكسيميانوس الحكم، حيث اندلعت موجة عاتية من الاضطهاد ضد المسيحيين، طالت عددًا كبيرًا من الأساقفة والمؤمنين الأبرياء. ورغم تلك الظروف الصعبة والقاسية، واصل القديس نركيسوس خدمته الروحية بثبات، واشتهر بموهبة صنع العجائب بحسب التقليد الكنسي الموثوق.

ومن أبرز الأحداث الخارقة التي ارتبطت بسيرته الطاهرة ما وقع في ليلة عيد القيامة المجيد، حين نفد الزيت تمامًا من قناديل الكنيسة، فأمر القديس بملئها بالماء العادي، فاشتعلت القناديل فجأة وأضاءت الكنيسة بأكملها، في حادثة اعتبرها المؤمنون علامة واضحة على قوة إيمانه الراسخ وتعاليمه السماوية.

الاتهامات الباطلة والعودة إلى الخدمة

تعرض القديس نركيسوس خلال فترة خدمته لحملة شرسة من الاتهامات الباطلة، حيث حرّك البعض ضده اتهامات أخلاقية كاذبة، غير أن الروايات الكنسية الموثقة تشير إلى أن من اتهموه نالوا جزاءً قاسيًا بحسب النصوص المقدسة، بينما اختار القديس الحكيم الابتعاد إلى البرية الهادئة، مفضلًا العزلة والتأمل حتى لا يكون سببًا في عثرة أحد من المؤمنين.

وبعد اختفائه المؤقت، اختير أسقف آخر لبيت المقدس يُدعى ديوس، ثم خلفه غورديانوس، إلى أن عاد القديس نركيسوس لاحقًا إلى أورشليم المقدسة بعد انتهاء فترة الاضطهاد العنيفة، حيث استقبله الشعب المسيحي بفرح كبير وحفاوة بالغة. وطلب منه الأسقف غورديانوس بتواضع أن يتسلم كرسيه الأسقفي مرة أخرى، إلا أنه فضّل في البداية حياة الوحدة والنسك، قبل أن يقبل لاحقًا العودة إلى الخدمة الرعوية بعد إلحاح المؤمنين.

السنوات الأخيرة والإرث الروحي

ومع تقدمه في العمر وضعف صحته الجسدية، طلب القديس من الشعب المسيحي اختيار أسقف مساعد يعاونه في الخدمة الكنسية، فوقع الاختيار الموفق على الأسقف ألكسندروس القادم من كبادوكيا، الذي بقي إلى جواره مساعدًا أمينًا له في إدارة شؤون الكنيسة حتى نياحته المباركة.

ووفق التقليد الكنسي الثابت، بلغت مدة جلوس القديس نركيسوس على كرسي الأسقفية المقدسة نحو 37 عامًا كاملة، تاركًا خلفه سيرة روحية مميزة في تاريخ الكنيسة الأولى، تجسد نموذج الأسقف الزاهد الذي جمع بمهارة بين الخدمة الرعوية النشطة والنسك الروحي العميق، مما جعله أيقونة للإيمان والتضحية في ذاكرة المسيحية عبر العصور.