ذكريات رمضانية للموسيقار محمد عبد الوهاب: من مؤذن الفجر إلى إحراج في الصعيد
يعد الموسيقار محمد عبد الوهاب، المولود في 13 مارس عام 1902، أحد أبرز رواد الموسيقى العربية، حيث ترك بصمة لا تمحى في عالم الغناء والتلحين. ورغم شهرته الواسعة، إلا أن حياته كانت مليئة بالقصص والحكايات، خاصة تلك المرتبطة بشهر رمضان المبارك، والتي ظلت عالقة في ذاكرته لسنوات طويلة، وكان يتحدث عنها بين الحين والآخر في حواراته أو كتاباته.
بدايات فنية متواضعة وتأثيرات عميقة
بدأت رحلة عبد الوهاب الفنية منذ صغره، حيث كان يرفع أذاني الفجر والمغرب من مئذنة مسجد الشعراني القريب من منزله، مما يعكس ارتباطه المبكر بالروحانيات. تأثر بشكل كبير بصوت الشيخ محمد رفعت، حتى أن الأخير تنبأ له بمستقبل عظيم بعد أن سمعه يقلده. عبر المخرج فؤاد الجزايرلي، اتجه عبد الوهاب نحو الموسيقى والغناء، ليصبح أشهر ملحني القرن العشرين، حيث حصل على لقب الفنان العالمي من جمعية المؤلفين بباريس عام 1983، ومنحه الرئيس السادات الدكتوراه الفخرية، واختاره الرئيس مبارك عضوًا في مجلس الشورى.
في حديثه عن التأثيرات في حياته، قال عبد الوهاب: "تأثرت بخمسة أشخاص بطريق غير مباشر منهم: سيد درويش، الشيخ أبو العلا محمد، ودرويش الحريري ومحمود صبح والشيخ محمد رفعت، وثلاثة بطريق مباشر هم أحمد شوقي الذي علمني الكلمة، وأحمد رامي الذي علمني بوهيمية الفنان الطليقة، والثالث توفيق الحكيم الذي صاحبته عشر سنوات استسقيت فيها فلسفته وصوفيته ونظرته للحياة."
ذكريات رمضانية مميزة: من الأذان إلى عمارة الجندول
للموسيقار محمد عبد الوهاب ذكريات جميلة وعجيبة في شهر رمضان، كما حكى في مجلة آخر ساعة عام 1955. من بين هذه الذكريات، حبه للوقوف على مئذنة مسجد الشعراني وهو صغير للأذان لصلاة الفجر والمغرب في رمضان، مشابهًا لما فعله صالح عبد الحي على مئذنة الحسين. كما اشترى أرضًا بشارع فؤاد الأول وبنى عليها عمارة ضخمة من ستة أدوار عام 1952، أطلق عليها اسم "الجندول" نسبة إلى إحدى أغانيه، بتكلفة بلغت 100 ألف جنيه اقترضها من بنك مصر وسددها على أقساط.
جاء افتتاح عمارة الجندول في رمضان عام 1946، حيث أقام عبد الوهاب سهرة سحور في بيته، دعا إليها أصدقاءه مثل الشاعرين كامل الشناوي وصالح جودت، والإذاعي طاهر أبو زيد الذي سجل السهرة للإذاعة. خلال الحفل، غنى عبد الوهاب أغنية "الحبيب للهجر مال" لسيد درويش، وألقى كامل الشناوي قصيدة "عدت يا يوم مولدي". ومن الطريف أن عبد الوهاب تقمص شخصية بائع الفول والطعمية، حيث قام بنفسه بتحضير السحور للضيوف بحضور زوجته إقبال نصار ومحمد فوزي ومديحة يسرى وشادية، معتبرًا أن رائحة الطعمية "تلخلخ ركبتي" وهي أحلى من الكباب.
موقف محرج في الصعيد وغناء التواشيح
تعرض الموسيقار محمد عبد الوهاب لموقف محرج خلال إحدى حفلاته في شهر رمضان بإحدى مدن الصعيد، حيث كان يغني في سرادق كبير أمام أكثر من ألفي شخص من الأعيان والأثرياء. فجأة، اعترض أحد الحضور مطالبًا بعالي صوته أن يلقي عبد الوهاب تواشيح دينية بدلاً من كلام الحب والهجر، نظرًا لأنهم في شهر كريم. انقلب الجو في السرادق بين مؤيد ومعارض، ورفعت الأسلحة، مما اضطر عبد الوهاب، وهو يرتعد خوفًا، إلى غناء تواشيح لشيوخ قدامى لإنقاذ الموقف.
هذه الذكريات تبرز الجوانب الإنسانية والروحانية في حياة موسيقار الأجيال، إلى جانب إنجازاته الفنية التي جعلته أيقونة في تاريخ الموسيقى العربية.
