رحلة البابا ميخائيل السادس: الإيمان وسط شدائد التاريخ
تحيي الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، برئاسة قداسة البابا تواضروس الثاني، بابا الإسكندرية بطريرك الكرازة المرقسية، ذكرى نياحة البابا ميخائيل السادس والأربعين، الذي تنيح في 21 مارس سنة 767 ميلادية. تأتي هذه الذكرى لتسلط الضوء على رحلة طويلة من الجهاد الروحي والصعوبات التاريخية التي واجهها هذا الأب القديس خلال فترة قيادته للبطريركية.
بداية الرحلة الرهبانية
بدأ البابا ميخائيل السادس حياته راهبًا في دير القديس مقاريوس، حيث اشتهر منذ صغره بالعلم الغزير والزهد الشديد. تميز بتفانيه في الدراسة والصلاة، مما جعله نموذجًا يُحتذى به بين الرهبان. في 4 سبتمبر عام 743 ميلادية، وبعد خلافات حادة بين أساقفة وكهنة الإسكندرية حول من يصلح لخلافة الكرسي البطريركي، تمت رسامته بطريركًا بالإجماع، لتبدأ مرحلة جديدة في تاريخ الكنيسة.
فترة رئاسة مليئة بالتحديات
شهدت فترة رئاسة البابا ميخائيل السادس شدة في الطقس السياسي والاجتماعي في مصر. حيث واجهت البلاد ظروفًا صعبة تحت حكم والي مصر عبد الملك بن مروان، الذي شن حملات اضطهاد ضد المسيحيين. أدى ذلك إلى هجرة عدد كبير من المؤمنين، مما وضع الكنيسة في موقف حرج. ومع ذلك، ظل البابا صامدًا في وجه هذه العاصفة، مدافعًا عن حقوق أبناء كنيسته.
الصمود في وجه الاضطهاد
تحمل البابا ميخائيل السادس ضربات قاسية، بما في ذلك الحبس والتكبيل بالحديد، لكن إيمانه الراسخ لم يهتز. استمر في قيادة شعبه برحمة وحكمة، حتى تدخل كرياكوس ملك النوبة، مما أدى إلى تحقيق صلح تاريخي عزز مكانة الكنيسة والمسيحيين في مصر. هذا الصلح لم يكن مجرد اتفاق سياسي، بل كان انتصارًا للإيمان والوحدة في وجه التفرقة.
الإرث الروحي والعقائدي
تميز البابا ميخائيل السادس بخدمته الروحية العميقة، حيث شفى العديد من المرضى بصلاته، خاصة من اعتراهم الأرواح النجسة. كما نجح في حوارات عقائدية مهمة، مثل حواره مع قزما بطريرك الملكيين، لتأكيد وحدة طبيعة المسيح، مما ساهم في تعزيز الوحدة المسيحية. استمر في قيادة البطريركية لمدة 23 سنة ونصف، مليئة بالرحمة والجهاد الروحي والسياسي.
الانتقال إلى الرب والإرث الدائم
انتقل البابا ميخائيل السادس إلى الرب الذي أحبه، تاركًا إرثًا غنيًا من الصبر والإيمان والعدل. لا تزال سيرته مصدر إلهام للمؤمنين، حيث تذكرنا بأن الإيمان يمكن أن ينتصر حتى في أحلك الظروف. تحيي الكنيسة هذه الذكرى ليس فقط كحدث تاريخي، بل كدرس حي في القيادة الروحية والمقاومة السلمية.



