الكنيسة القبطية تحيي ذكرى نياحة القديسة ثيؤدورة الإسكندرانية أيقونة النسك
تحيي الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، تحت رعاية قداسة البابا تواضروس الثاني بابا الإسكندرية بطريرك الكرازة المرقسية، ذكرى نياحة القديسة ثيؤدورة الإسكندرانية، التي تُعد من أبرز أيقونات الحياة النسكية والزهد في القرن الرابع الميلادي. وترتبط سيرتها الروحية ارتباطًا وثيقًا بمدينة الإسكندرية والمدرسة الروحية المزدهرة فيها خلال تلك الفترة التاريخية.
قصة القديسة ثيؤدورة: من الثراء إلى الزهد
وُلدت ثيؤدورة في أسرة مسيحية ثرية، وكانت الابنة الوحيدة لوالديها، اللذين خططا لتزويجها وجهزا لها الحُليّ والثياب الفاخرة استعدادًا لهذه الخطوة. غير أن قلبها مال بقوة نحو حياة العبادة والنسك، فاتخذت قرارًا جريئًا ببيع كل ما قدمه لها والداها وتوزيع العائد على المحتاجين والفقراء.
بعد ذلك، شيّدت كنيسة خارج مدينة الإسكندرية من جهتها الغربية، ثم توجهت إلى الأب البطريرك أثناسيوس الرسولي طالبة الانضمام إلى الحياة الرهبانية. استجاب البطريرك لطلبها، حيث قصّ شعرها ورسمها راهبة، لتبدأ رحلة نسكية عميقة.
حياة النسك والإرشاد الروحي
عاشت القديسة ثيؤدورة حياة نسكية شديدة، تميزت بالتقشف والانقطاع للعبادة. وارتبطت بعلاقة إرشاد روحي وثيقة مع البطريرك أثناسيوس الرسولي، الذي كان يزورها بانتظام ليقدم لها التعاليم والنصائح الروحية. حتى في فترات نفيه، استمر في مراسلتها وإرسال العظات والمشورات إليها، مما يعكس عمق الصلة بينهما.
وتشير سيرتها إلى أنها نالت موهبة التمييز الروحي، التي مكنتها من فحص الأفكار والتمييز بين الملائكة والشياطين، وهو ما جعلها مرجعًا في الأمور الروحية بين معاصريها.
عاصرت خمسة بطاركة وتركت حكمة خالدة
عاصرت القديسة ثيؤدورة خمسة بطاركة للإسكندرية، هم: ألكسندروس، وأثناسيوس، وبطرس، وتيموثاؤس، وثاؤفيلس. وخلّفت وراءها مجموعة من الأقوال الروحية النافعة، التي لا تزال تُدرس وتُستشهد بها حتى اليوم.
من بين حكمها المشهورة تشبيهها للتعامل مع الحديث الرديء بموائد الطعام المتنوعة، حيث قالت: "لا ينهى الإنسان واضعها، بل يترك ما لا يلائمه ويأخذ ما ينفعه، كذلك يفعل مع السماع". وعندما سُئلت: "بماذا يغلب الإنسان عدوّه؟" أجابت: "بالصوم والصلاة والاتضاع".
نياحتها وإرثها الروحي
بعد مسيرة جهاد طويلة قاربت المائة عام، تنيّحت القديسة ثيؤدورة بسلام، تاركة سيرةً غنية تُستعاد كل عام كنموذجٍ ملهِم للزهد والتمييز الروحي. ولا تزال الكنيسة القبطية الأرثوذكسية تحيي ذكراها كجزء من تراثها الروحي العميق، مؤكدةً على قيم العطاء والتقشف التي جسدتها هذه القديسة التاريخية.



