رحلة خارج الزمن.. قرية مخفية في جراند كانيون لا يعيش فيها سوى 200 شخص
في عمق وادي سحيق داخل جراند كانيون، وعلى بعد 8 أميال من أقرب طريق معبّد، تختبئ قرية صغيرة تُدعى «سوباي» في الولايات المتحدة، حيث لا سيارات ولا طرق، ولا ضجيج مدن، ففي قاع وادي هافاسو يعيش نحو 200 شخص من قبيلة «Havasupai»، الذين يُعرف اسمهم بمعنى «أهل المياه الزرقاء والخضراء».
عالم متكامل في عزلة تامة
هذه القرية تُعد أبعد تجمع سكاني في الولايات المتحدة المتصلة، حيث يمكن الوصول إليها فقط سيرًا على الأقدام أو بالمروحية أو على ظهور البغال، ومع ذلك، فهي ليست مجرد مكان معزول، بل عالم متكامل ينبض بالحياة، والتقاليد، والتاريخ العريق.
الطريق إلى سوباي: رحلة إلى زمن آخر
للوصول إلى سوباي، يجب الانطلاق من منطقة Peach Springs، ثم عبور طريق صحراوي طويل ينتهي عند حافة الوادي، من هناك تبدأ مسيرة تمتد نحو 8 أميال نزولًا عبر ممرات صخرية حادة ومنحدرات شاهقة من الحجر الرملي، بحسب «bbc».
بعد نحو 4 ساعات من المشي، يتبدل المشهد فجأة: تتحول الألوان الترابية إلى خضرة زاهية، ويظهر جدول مياه فيروزية يشق الوادي، وعندها فقط تدرك أنّك وصلت إلى واحدة من أكثر البقاع عزلة وإبهارًا في أمريكا.
قرية بلا سيارات: حياة بسيطة وتقليدية
عند دخول سوباي، يبدو وكأن الزمن توقف، لا طرق معبدة، ولا إشارات مرور، ووسيلة التنقل الأساسية هي الخيول والبغال، أما المنازل مبنية بمواد محلية، وتحيط بها مرافق بسيطة: متجر عام، ومقهى صغير، ومكتب بريد، ومدرسة ابتدائية، ونُزل متواضع للزوار.
السكان لا يزالون يتحدثون لغة هافاسوباي الأصلية، ويزرعون الذرة والقرع والفاصوليا، ويصنعون سلالًا تقليدية كما فعل أسلافهم منذ قرون، الماء حاضر في كل مكان، سواء في خرير الجداول أو في هدير الشلالات البعيدة.
شلالات مذهلة وألوان فيروزية ساحرة
وأشهر ما يميز وادي هافاسو هو شلالاته المذهلة، وعلى رأسها: شلالات هافاسو وشلالات موني، هذه الشلالات تتغذى من نبع جوفي قديم يُعتقد أن عمره يصل إلى 30 ألف عام، ورغم أن الأمطار في المنطقة لا تتجاوز تسع بوصات سنويًا، فإن المياه تتدفق بغزارة طوال العام.
اللون الفيروزي الفريد ليس خدعة بصرية؛ بل نتيجة تفاعل كيميائي يحدث عندما تلامس المياه الغنية بكربونات الكالسيوم «الموجودة في صخور الترافرتين» الهواء وأشعة الشمس، فينعكس الضوء بلون أزرق استوائي ساحر.
تحديات العزلة: قطار البغال والتوصيل التقليدي
وبسبب العزلة الجغرافية، لا يمكن إيصال المؤن إلا بطريقتين: المشي أو المروحية، لكن الوسيلة الأقدم والأكثر انتظامًا هي قطار البغال، ولمدة 6 أيام في الأسبوع، تنطلق قافلة من البغال محمّلة بالبريد والطعام والأدوية من خارج الوادي، وتهبط 3 ساعات إلى القرية، ثم تعود صعودًا 5 ساعات.
وسوباي هي آخر مكان رسمي في الولايات المتحدة يُسلَّم فيه البريد يوميًا بهذه الطريقة التقليدية، حتى الطرود تحمل ختمًا بريديًا خاصًا يشير إلى أنها نُقلت عبر قافلة البغال — تقليد نادر في عصر التوصيل السريع.
السياحة: نعمة وتحدٍّ للقرية
رغم عزلتها، تستقبل سوباي أكثر من 20 ألف زائر سنويًا، يشترط على كل زائر الحصول على تصريح من المجلس القبلي، يمكن الإقامة في نُزل القبيلة أو التخييم قرب الشلالات بين فبراير ونوفمبر.
لكن السياحة جلبت معها تحديات، أبرزها الجدل حول معاملة الحيوانات المستخدمة لنقل السياح، القبيلة أكدت أنها عززت الرقابة البيطرية وأدخلت أنظمة فحص صحية للحفاظ على سلامة الحيوانات.
تاريخ عميق ونضال من أجل الأرض
وقبل وصول الأوروبيين، كانت أراضي قبيلة هافاسوباي تمتد على نحو 1.6 مليون فدان، لكن بحلول عام 1882 تقلصت إلى 518 فدانًا فقط، لكن بعد عقود من المعارك القانونية، وُقّع عام 1975 قانون أعاد للقبيلة نحو 185 ألف فدان إضافية ومنحها اعترافًا رسميًا كأمة ذات سيادة داخل الولايات المتحدة.
اليوم، يدير شؤون القرية مجلس قبلي منتخب من سبعة أعضاء، يحدد القوانين المحلية وينظم دخول الزوار.
تحديات طبيعية وثبات في الأرض
ورغم جمالها، تبقى سوباي عرضة للفيضانات المفاجئة، في أعوام 2008 و2010، دمرت السيول منازل وجسورًا وعزلت القرية تمامًا، ما استدعى تدخلًا فيدراليًا لإعادة الإعمار، ومع ذلك، يظل شعب هافاسوباي ثابتًا في أرضه، كما تقول إحدى القيادات القبلية: «هذا موطن أجدادنا وروحانيتنا، نحن المياه التي تتدفق عبر الوادي».
كيف يعيش أهل المياه الزرقاء والخضراء؟
يعيشون ببساطة، في تناغم مع الطبيعة، مستندين إلى تاريخ عميق وروابط روحية بأرضهم، في عالم تزداد فيه السرعة والضجيج، تمثل سوباي نموذجًا نادرًا لمجتمع اختار أن يبقى قريبًا من جذوره — حتى لو كان الثمن هو العزلة.