تلقيت رسالة من أحد القراء لمقالاتي، قال فيها: أستاذنا من خلال متابعتي لمقالاتك الأخيرة التي نشرت على بوابة فيتو، وخاصة المقالات الخاصة بأسرار ومعاني مناسك وشعائر الحج، والتي أشرت فيها إلى مقامات القلوب التي منها الصبر الجميل والرضا والتسليم والتوكل والثقة بالله تعالى واليقين به سبحانه، وأكدت أن الأصل في كل هذه المقامات المحبة الخالصة لله عز وجل. والسؤال سيدي: ما معنى مقامات القلوب، وكيف يصل إليها المسلم البسيط الذي هو من عامة أهل الإيمان؟ وهل هي منح إلهية توهب من الله تعالى، أم هي تأتي وتحصل بالعبادة والمجاهدة؟
الإجابة على السؤال
فأجبته: سؤالك وجيه وقيم، وشرح الإجابة يطول ولكني سوف أختصر لك الإجابة على قدر المستطاع. اعلم عزيزي السائل أن مقامات القلوب هي المنازل التي يقيم الحق عز وجل العبد فيها على أثر تجليه سبحانه على قلبه، بالعلوم اللدنية والمعارف والحقائق والأسرار الكامنة في أسمائه تعالى الحسنى وصفاته العليا.
السبيل الأول للوصول إلى مقامات القلوب
أما عن السبيل للوصول لمقامات ومنازل القلوب، فمنها ما يأتي على أثر بذل المجهود، بمعنى الاجتهاد في أعمال العبادات والطاعات، ومجاهدة النفس لإسقاط الأنا العالقة بالنفس البشرية، والتي هي محل وموطن كل الأمراض والآفات، والتي منها الكبر والنفاق والرباء والغرور والتعالي والأنانية والعجب، ورؤية النفس والحسد والغيرة والطمع والبخل والحرص والشح، وغيرها الكثير والكثير من الأمراض والعلل الكامنة في النفس، وغير المدركة للكثير من الناس.
هذا ومن أجل تزكية النفس وتطهير القلب من حب الدنيا ومن العلائق والأغيار، لزم طرق باب المجاهدة حتى ينير الحق عز وجل للعبد السبل والطرق المؤدية إليه سبحانه، والموصلة إليه والمقام في حضرة القرب منه جل جلاله. ولقد أشار الله سبحانه إلى ذلك بقوله: "وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ".
هذا عن باب الفتح الرباني والوصول الأول، وهو ما أشار الله تعالى إليه بقوله: "وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا"، أي الذين صبروا على الطاعة لوجود الثقل فيها على أصحاب الأنفس التي لم تتزك، والذين صبروا عن المعصية لغلبة الأهواء والشهوات في النفس البشرية، والذين صبروا على الابتلاء لوجود الألم والحزن والمرارة فيه.
السبيل الثاني للوصول إلى مقامات القلوب
أما عن الباب الثاني للفضل والعطاء، فهو عبارة عن منح إلهية وعطايا ربانية يجود بها الحق عز وجل من باب الكرم والجود، وهو المشار إليه بقوله سبحانه: "وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ". ومن هنا جاءت الإشارة أن العطاءات الربانية، منها ما يأتي على أثر بذل المجهود، ومنها ما يساق من عين الكرم والجود الإلهي.
هذا ومن المعلوم أن إقبال العبد على الله تعالى بدفع المحبة الخالصة والالتزام بأعمال العبادات والذكر والطاعات وأعمال الخير والمعروف والإحسان، يقابل بإقبال الله سبحانه على العبد، وهو ما يعني التجليات والإشراقات والفتوحات الربانية، والتي يقام العبد على أثرها في مقامات القلوب، فيصبح من أهل الصبر والرضا والتسليم والتوكل واليقين. هذا مع العلم أن كلاهما سواء عطاء كسبي أو عطاء وهبي، كلاهما من محض فضل الله وتوفيقه: "وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ۚ".



