شاهدت أحد البرامج السياسية السعودية ويسمى (جمرة) على منصة يوتيوب بعنوان "الأفيون والسبانخ" في مقارنة بين الأشياء الضارة والنافعة، وأن كان الاثنان ينتميان لفصيلة الخضروات.. البرنامج أثار أنتباهي بجديته ومضمونه التوعوي.
التيك توك: أكثر من مجرد تسلية
الفكرة هنا تدور حول تطبيق التيك توك الذي لم يعد مجرد تطبيق للتسلية، بل أصبح جزءًا من الحياة اليومية لملايين الشباب حول العالم، في دقائق قليلة، ينتقل الشاب من فيديو إلى آخر، ومن فكرة إلى أخرى، ومن مشهد مضحك إلى مشهد صادم، من دون أن يشعر بمرور الوقت. ومع تكرار هذا المشهد يوميًا، لا يعود التطبيق مجرد وسيلة للترفيه، بل يتحول إلى أداة تؤثر في الانتباه والذوق والطموح وحتى في صورة النجاح داخل أذهان الشباب.
لكن المفارقة المهمة هي أن الصين، التي خرج منها التطبيق، لا تترك أبناءها يتعاملون معه بالطريقة نفسها التي تترك بها بقية العالم، وهذه النقطة تحديدًا هي ما يجعل النقاش حول تيك توك أكبر من مجرد حديث عن التسلية أو سوء استخدام بعض الأفراد؛ فهو في جوهره حديث عن الوعي، والتربية، والسيطرة على المجال الرقمي.
الدروس المستفادة من تاريخ الصين
لفهم الموقف الصيني، من المفيد العودة قليلًا إلى التاريخ. في القرن التاسع عشر تعرضت الصين لما يعرف بحربَي الأفيون، حين فُرضت عليها تجارة الأفيون بالقوة، وأدى ذلك إلى إضعاف المجتمع والدولة معًا. لهذا بقيت فكرة الإدمان في الذاكرة الصينية مرتبطة بالخطر الوطني، لا بمجرد الخطر الصحي أو الأخلاقي. ومن هنا يمكن فهم لماذا تتعامل الصين بحساسية شديدة مع أي شيء قد يضعف شبابها أو يشتت تركيزهم، سواء كان مخدرًا تقليديًا أو إدمانًا رقميًا حديثًا.
الفرق بين "دويين" الصينية وتيك توك العالمية
في هذا السياق، تبدو المقارنة بين النسخة الصينية من تيك توك، المعروفة باسم «دويين»، والنسخة العالمية شديدة الأهمية. فالصين تفرض على المستخدمين الصغار في «دويين» قيودًا واضحة؛ إذ يقتصر استخدام من هم دون 14 عامًا على 40 دقيقة يوميًا، ولا يمكنهم الدخول في ساعات الليل المتأخرة. كما أن النسخة الموجهة للصغار في الصين تقدم لهم محتوى تعليميًا وثقافيًا، مثل التجارب العلمية والموضوعات التاريخية والمواد المعرفية المبسطة.
أما النسخة العالمية من تيك توك، فهي مفتوحة للجميع بغض النظر عن السن. تعمل بدرجة أكبر وفق منطق السوق والمنافسة على جذب الانتباه. وهذا يعني أن الفيديو الأسرع، والأكثر إثارة، والأقدر على إبقاء المستخدم داخل التطبيق هو الذي يحظى بفرص انتشار أكبر. وهنا يظهر الفرق بوضوح: في الصين تُستخدم المنصة بدرجة ما كأداة توجيه، بينما تُترك خارجها في كثير من الأحيان لتعمل كأداة جذب واستهلاك.
مقارنة بين الشباب في الصين وأمريكا والخليج ومصر
وعند مقارنة الشباب في الصين وأمريكا والخليج ومصر، لا يكفي أن نسأل: من يستخدم تيك توك أكثر؟ بل يجب أن نسأل أيضًا: كيف يستخدمه؟ ففي الولايات المتحدة، الاستخدام كثيف جدًا، ويقضي المراهقون وقتًا طويلًا على وسائل التواصل الاجتماعي عمومًا. لكن الشباب الأمريكي، رغم هذا الاستخدام الكثيف، يجد أحيانًا بيئة تساعده على تحويل المنصة إلى فرصة مهنية أو إعلامية أو تجارية، من خلال بناء علامة شخصية أو تقديم محتوى متخصص.
أما في الخليج ومصر، فالصورة مختلفة في كثير من الحالات؛ إذ يغلب على الاستخدام الطابع الاستهلاكي السريع، ومتابعة الترندات، والمحتوى الترفيهي أو الجدلي، بينما يظل المحتوى المعرفي أو المهاري أقل حضورًا. ولهذا فإن أثر تيك توك على الإنتاجية والهوية يصبح مسألة جدية. فالشاب الذي يعتاد التنقل السريع بين عشرات المقاطع القصيرة قد يجد صعوبة أكبر في التركيز الطويل، أو في القراءة المتأنية، أو في الالتزام بمهمة تحتاج إلى صبر واستمرار.
كما أن الخوارزمية لا تقدم له فقط ما يحب، بل تقدم له أيضًا نماذج متكررة لما يبدو ناجحًا ومثيرًا للإعجاب. وإذا امتلأت الشاشة بصور الشهرة السريعة والمال السهل والانتشار السريع، فإن قيمة الجهد الطويل والعمل الجاد قد تتراجع في وعيه شيئًا فشيئًا. وهكذا لا يعود التطبيق مجرد أداة ترفيه، بل يتحول، من غير إعلان، إلى مدرسة جديدة تعلم الشباب كيف ينظرون إلى العالم وإلى أنفسهم.
التيك توك ليس شرًا مطلقًا
ومع ذلك، لا يعني هذا أن تيك توك شر مطلق أو أنه لا يمكن الاستفادة منه. المشكلة ليست في الأداة نفسها، بل في طريقة استخدامها. فالمنصة نفسها يمكن أن تتحول إلى وسيلة لتعليم اللغات، أو التدريب على مهارات رقمية، أو نشر المعرفة المبسطة، أو تقديم محتوى يفيد الشباب في سوق العمل الجديد. وفي الخليج، يمكن لمؤسسات التدريب وبرامج التحول الاقتصادي أن تستخدم المنصات القصيرة لنشر مهارات مثل ريادة الأعمال، والذكاء الاصطناعي، والتواصل المهني، وإدارة المشاريع. وفي مصر، يمكن أن تصبح هذه المنصات أداة للتعلم السريع والتسويق المهاري بدلًا من أن تكون مجرد مساحة لاستهلاك الوقت.
الخلاصة: دروس من التجربة الصينية
الخلاصة أن الدرس المهم من التجربة الصينية ليس أن نقلدها في كل شيء، بل أن نفهم الفكرة الأساسية: لا يجوز ترك الشباب وحدهم أمام الخوارزمية من دون توجيه أو وعي أو بدائل مفيدة. فالتكنولوجيا ليست قدرًا أعمى، بل مجال يمكن تنظيمه وتوجيهه. وإذا نجحنا في تحويل تيك توك من أداة استهلاك إلى أداة تعلم وبناء، فسنكون قد قطعنا خطوة مهمة في حماية هوية الشباب العربي ورفع قدرتهم على التكيف مع عالم سريع التغير. كما أن الفكرة الأساسية التي يلفت إليها هذا النقاش مهمة لأنها تجعلنا نرى أن المسألة ليست مجرد تطبيق واحد يستخدمه الجميع بالطريقة نفسها، بل سياسات مختلفة تؤدى إلى نتائج مختلفة. ولذا القول أن التيك توك أفيون رقمي فهو يعكس جانبًا حقيقيًا من الإدمان الخوارزمي، لكنه توصيف ناقص إذا أغفلنا إمكاناته. الفارق الجوهري لا يكمن في التطبيق نفسه، بل في كيفية الاستخدام.



