غبار الشرق الأوسط.. لاعب مناخي أقوى من النينيو في دراسة جديدة
غبار الشرق الأوسط.. لاعب مناخي أقوى من النينيو

في مشهد يعكس قوة الطبيعة في لحظة غضب، تعرضت منطقة الشرق الأوسط إلى موجة غبار كثيفة تسببت خلال الأيام الماضية في توقف حركة الطيران لفترة محدودة. لكن خلف هذا الحدث المألوف كانت هناك قصة أكبر بكثير تتكشف في أروقة العلم: هل يمكن لهذا الغبار نفسه أن يكون أحد أهم المحركات الخفية لطقس العالم؟

النظام المناخي الذي يحكم الكوكب

لفترة طويلة، اعتقد العلماء أن تقلبات المناخ العالمي ترتبط أساسًا بظاهرتين رئيسيتين في المحيط الهادئ: ظاهرة النينيو، التي تعني ارتفاعًا غير طبيعي في حرارة سطح المحيط الهادئ الاستوائي، مما يؤدي إلى اضطراب الرياح ونقص الأمطار في بعض المناطق، وظاهرة النينيا، وهي العكس تمامًا، حيث تنخفض درجات الحرارة وتزداد قوة الرياح التجارية، فتتشكل أنماط طقس مختلفة تمامًا.

وبحسب النموذج التقليدي، فإن ما يحدث في المحيط الهادئ يمتد تأثيره إلى المحيط الهندي عبر ما يشبه "جسرًا جويًا" ينقل الاضطرابات المناخية بين الحوضين. لكن هذا الفهم التقليدي بدأ يتعرض لهزة علمية غير متوقعة.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

الدراسة التي قلبت المعادلة

بحث علمي نشرته دورية "نيتشر كوميونيكيشنز"، بمشاركة جامعة بكين، ومعهد سكريبس لعلوم المحيطات، وعالم المناخ جيمس هانسن، أعاد النظر في هذا "الجسر الجوي" الشهير، ليكشف عاملًا لم يكن في الحسبان: غبار الشرق الأوسط والصحارى المحيطة به.

وباستخدام بيانات تمتد لأربعين عامًا (1980–2020)، وتحليل عبر نماذج مناخية متقدمة، توصل الباحثون إلى نتيجة لافتة: تغيرات نشاط الغبار في الشرق الأوسط تفسر نحو 36% من التغيرات الحرارية السنوية في المحيط الهندي. هذه النسبة لم تكن مجرد رقم، بل مؤشر على أن الغبار ليس مجرد ظاهرة بيئية محلية، بل عنصر مؤثر في "إيقاع المناخ العالمي".

حين غاب النينيو ظل الغبار حاضرًا بقوة

المثير في الدراسة أن الباحثين قاموا بعزل تأثير النينيو بالكامل داخل النماذج المناخية، ومع ذلك استمر تأثير الغبار في الظهور بوضوح. بل إن النتائج أظهرت أن انخفاض الغبار يؤدي إلى ارتفاع حرارة غرب المحيط الهندي، وزيادة الغبار تعمل على تبريد النظام نسبيًا. وفي فصل الخريف تحديدًا، يصبح الغبار أقوى تأثيرًا من النينيو نفسه، وهو ما دفع الباحثين لإعادة التفكير في ترتيب "قوى التحكم" بالمناخ العالمي.

كيف يعمل الغبار كـ"درع مناخي"؟

قد يبدو الغبار للوهلة الأولى مجرد تلوث يعيق الرؤية ويعطل الحياة اليومية، لكنه وفق الدراسة يلعب دورًا مختلفًا تمامًا على مستوى الكوكب. فعندما تنشط العواصف الترابية فوق شبه الجزيرة العربية، تعكس الجسيمات الغبارية جزءًا من أشعة الشمس، وتقل كمية الإشعاع التي تصل إلى سطح المحيط، وينخفض تسخين مياه بحر العرب وشمال غرب المحيط الهندي، وتستقر درجات الحرارة ويقل الاضطراب المناخي.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

أما في السنوات التي يضعف فيها الغبار، تختفي هذه المظلة، وتسمح السماء الصافية لأشعة الشمس باختراق مباشر وساخن نحو سطح المحيط، فتسخن المياه بشكل أسرع وأقوى، ويختل التوازن الحراري بين شرق وغرب المحيط الهندي. هذا الاختلال لا يبقى محليًا، بل يتحول إلى سلسلة من التفاعلات الجوية التي قد تنتهي بفيضانات في شرق أفريقيا، أو جفاف شديد وحرائق في أستراليا وإندونيسيا.

وهكذا، يتحول الغبار من مجرد ظاهرة مزعجة تعطل الحياة اليومية إلى عنصر فاعل في ضبط إيقاع المناخ العالمي، وكأنه "درع مناخي" غير مرئي يحمي الكوكب من تطرف الطقس حين يكون في حالته الطبيعية.

لكن هذه الصورة لا تزال محل نقاش علمي واسع. فبعض الباحثين يحذرون من المبالغة في تفسير دور الغبار، مؤكدين أنه جزء من منظومة أوسع تتداخل فيها الرياح الموسمية وظواهر المحيط الهادئ وأنماط الضغط الجوي. كما أن النماذج المناخية نفسها لا تزال تحمل هامشًا من عدم اليقين، ما يجعل تحديد نسبة دقيقة لتأثير الغبار مسألة معقدة.

ومع ذلك، يتفق معظم العلماء على أن هذه النتائج لا تلغي دور النينيو أو باقي العوامل المناخية، لكنها تضيف عنصرًا جديدًا إلى لوحة شديدة التعقيد، عنصر يجعل من غبار الشرق الأوسط ليس مجرد ضيف ثقيل على الهواء، بل لاعبًا رئيسيًا في مسرح المناخ العالمي، تتحرك ذراته الصغيرة بين الصحارى والمحيطات لتكتب فصلًا خفيًا في قصة طقس الأرض.