المستشار أحمد بركات يكتب: الأسرة المصرية.. من إدارة الانهيار إلى بناء منظومة الوقاية
كتب: محرر 06:49 م | الثلاثاء 21 أبريل 2026
أكد المستشار أحمد بركات أن أزمة الأسرة المصرية لم تعد مجرد قضية يمكن حصرها في تعديلات قانونية أو إجراءات قضائية منفردة، بل أصبحت تتطلب نهجاً شاملاً يغير الفلسفة الأساسية في التعامل مع هذا الملف الحيوي. وأشار بركات إلى أن جوهر المشكلة لم يعد يكمن في النصوص القانونية، بل في الطريقة التي ندير بها ملف الأسرة بشكل عام، حيث نواجه خللاً عميقاً يتمثل في التعامل مع الأسرة بعد أن تهتز، بدلاً من العمل على بنائها منذ البداية.
تحول جذري من العلاج إلى الوقاية
أوضح بركات أن الحل الحقيقي لا يتمثل في إضافة إجراءات جديدة، بل في تغيير الفلسفة بالكامل من إدارة النتائج إلى منع الأسباب من التكوين أصلاً. وهذا يتطلب بناء منظومة وطنية متكاملة تعمل عبر أربع مراحل مترابطة، بدلاً من الاعتماد على أدوات متفرقة مثل قوانين الأحوال الشخصية ومحاكم الأسرة وجهود الصلح، والتي تفتقر إلى التكامل في منظومة واحدة.
المحور الأول: بناء الوعي الأسري منذ الطفولة
أشار بركات إلى أن الطفل يتعلم العديد من الأمور، لكنه غالباً ما يفتقر إلى فهم كيفية بناء العلاقات الإنسانية داخل الأسرة. لذلك، فإن إدخال مفاهيم الوعي الأسري في مراحل التعليم المبكر ليس تدخلاً في الخصوصية، بل هو إعداد للإنسان الاجتماعي المتوازن، القادر على فهم معنى الأسرة في المستقبل. وأكد أن الأسرة لا تبدأ عند الزواج فحسب، بل تبدأ في التكوين منذ الطفولة، مما يجعل هذه المرحلة حاسمة في بناء أسرة مستقرة.
المحور الثاني: تأهيل المقبلين على الزواج
ذكر بركات أن الزواج يعد أحد أهم التحولات في حياة الإنسان، لكنه غالباً ما يتم دون إعداد حقيقي. ولذلك، تبرز الحاجة إلى برنامج تأهيلي اختياري للمقبلين على الزواج، يهدف إلى فهم المسؤوليات الواقعية، وإدارة الخلافات، وتحسين مهارات التواصل، وضبط التوقعات قبل الدخول في الحياة الزوجية. وأكد أن المشكلة الحقيقية ليست في الزواج نفسه، بل في الدخول إليه دون أدوات مناسبة.
المحور الثالث: دعم الأسرة أثناء الحياة الزوجية
أوضح بركات أن العديد من النزاعات الأسرية لا تبدأ فجأة، بل تنمو بصمت مع مرور الوقت. ومع غياب التدخل المبكر، تتحول هذه الخلافات من مشكلات قابلة للحل إلى أزمات عميقة. ولذلك، تبرز الحاجة إلى منظومة دعم أسري مبكر، تقوم على تقديم استشارات نفسية واجتماعية، وتدخل مبكر قبل تفاقم النزاع، وإرشاد غير قضائي لحل الخلافات، مما يساعد في الحفاظ على استقرار الأسرة.
المحور الرابع: مساحة الإصلاح قبل الوصول إلى القضاء
أشار بركات إلى أن وصول الأسرة إلى المحكمة يعني أنها مرت بمراحل طويلة من التراكم دون تدخل كافٍ. لكن بين الخلاف والقضاء، توجد مساحة مفقودة تتمثل في الإصلاح المبكر، من خلال وحدات توجيه أسري محلية تدعم محاولات الصلح عن طريق عقد جلسات تدخل وإعداد تقارير استرشادية تساعد القضاء. وبذلك، يصبح القضاء مرحلة أخيرة في مسار النزاع، وليس الخطوة الأولى.
منظومة متكاملة للحياة الأسرية
اختتم بركات بأن هذه المحاور الأربعة ليست منفصلة، بل تمثل نظاماً متكاملاً يبدأ ببناء وعي الطفل، ثم تأهيل الشاب، ثم دعم الأسرة، وأخيراً احتواء النزاع قبل الوصول إلى القضاء. وهذا التحول يجعل مفهوم الأسرة ينتقل من كونه حالة طارئة إلى منظومة حياة متكاملة، تساهم في بناء مجتمع أكثر استقراراً وتوازناً.



