في لحظة ما تتبدل نظرتنا إلى الحياة دون أن نشعر، ونضطر لأن نسأل أنفسنا سؤالاً قد يبدو بسيطاً لكنه مؤلم: لماذا لم نحقق الكثير من طموحاتنا، رغم أن الكثير منا كان يملك القدرات التي تؤهله لتحقيق تلك الطموحات؟ قد نكتشف حينها أن بعضنا كان يتعامل مع حياته بمنطق مكتب العمل، وأن هناك وظائف مهمة في حياتنا ما زالت أماكنها شاغرة، كونها مأهولة بالموظفين لا بالمبدعين. عندها سندرك أن المكان الذي يحتاج إلى مبدع لن يصلح له موظف.
قد نظن أن هذه العبارة قاصرة على العمل والإدارة والمؤسسات، لكن الحقيقة التي اكتشفتها أنها تخص الحياة كلها. لقد امتلأت حياتنا بوظائف فقدت المعنى حين تحولت إلى وظائف مهنية مجردة من المعنى: وظيفة أب أو أم، وظيفة الصداقة، وظيفة أخ أو أخت، وظيفة الزوج، ووظيفة الزوجة. سنكتشف أن هذه الأماكن لا تحتاج إلى أشخاص يشغلونها فقط، بل تحتاج إلى من يمنحها المعنى والروح. وهنا سيظهر سؤال أكثر عمقاً: هل ما زلنا نعيش العلاقات أم أننا أصبحنا نؤدي وظائف داخلها؟
ولعل الزواج هو أكثر العلاقات التي تكشف لنا حقيقة هذا السؤال. فالزواج ليس فكرة حديثة، بل هو امتداد لأقدم قصة عرفها الإنسان منذ آدم وحواء. ومنذ البداية لم يكن مجرد ترتيب اجتماعي أو اتفاق قانوني، بل كان محاولة إنسانية عميقة لتحقيق السكن والمودة والرحمة. يقول الله تعالى: «وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً».
لكن ما معنى أن يسكن الإنسان إلى إنسان آخر؟ السكن ليس مجرد وجود شخصين تحت سقف واحد، بل حالة من الطمأنينة الداخلية يجد فيها الإنسان مكاناً يهدأ فيه من ضجيج العالم. إنه شعور بالأمان والثقة والانتماء. لهذا لم يكن الزواج في جوهره عقداً لإدارة الحياة، بل مساحة لصناعة المعنى داخل الحياة.
غير أن التحولات الاجتماعية وتزايد الضغوط اليومية دفعت كثيراً من العلاقات إلى مسار مختلف، فتحولت اللغة من لغة مشاركة إلى لغة مهام، ومن لغة المعنى إلى لغة الأدوار. وهكذا بدأ الزواج يقترب تدريجياً من نموذج المؤسسة الصغيرة، وتحول الإنسان إلى موظف داخل العلاقة. موظف يعتبر أن مهمته انتهت بمجرد أن يؤدي المطلوب منه. أما المبدع فلا تنتهي مهمته أبداً، فهو دائماً يسأل: ماذا أستطيع أن أضيف؟ كيف أحسن؟ وهنا يكمن الفرق بين علاقة تعيش وعلاقة تعمل فقط.
فبعض الأزواج يعرفون حقوقهم وواجباتهم بدقة، لكنهم فقدوا القدرة على المبادرة والتجدد وتقديم شيء لم تطلبه اللوائح ولم تفرضه القوانين. بالفعل هم يؤدون أدوارهم بإتقان، لكنهم لا يصنعون حياة. لهذا فإن بعض العلاقات لا تموت بسبب الخلافات، بل بسبب غياب المعنى.
ولعل التاريخ نفسه يقدم لنا إشارات مهمة لفهم هذه الحقيقة. فعلى امتداد آلاف السنين، لم يكن الزواج مجرد علاقة بين رجل وامرأة، بل كان إحدى أهم المرايا التي انعكست عليها طبيعة الإنسان نفسه. فحين نتأمل زواج النبي محمد ﷺ من السيدة خديجة رضي الله عنها، نجد نموذجاً فريداً للشراكة والثقة والأمان. لم تكن خديجة زوجة تؤدي دوراً اجتماعياً فحسب، بل كانت سنداً حقيقياً في أصعب مراحل الدعوة، وكان النبي وفياً لها وفاءً تجاوز حياتها. وفي المقابل لم يقف التاريخ عند النماذج الدينية فقط، بل يمتد إلى شراكات فكرية وعلمية وإنسانية، مثل ماري كوري وبيير كوري، شراكة العلم والاكتشاف، وويل وأرييل ديورانت اللذين كتبا أهم كتب التاريخ «موسوعة قصة الحضارة»، كأنهما عقل واحد في جسدين. في كل هذه النماذج، لم يكن النجاح نتاج الجمال أو المال، بل نتاج القدرة على تحويل العلاقة إلى مشروع حياة مشترك.
لكن الوجه الآخر للتاريخ يذكرنا بأن العلاقات قد تفشل رغم الحب أو المكانة أو الثراء. نابليون وجوزفين انتهت علاقتهما رغم الأسطورة العاطفية، وتشارلز وديانا مثال معاصر على أن الشهرة لا تصنع السكينة. كأن التاريخ يصر على أن يكرر الدرس نفسه، ليعلمنا أن ما يجذب الناس إلى الزواج ليس بالضرورة ما يجعله يستمر. بل هناك أسر بسيطة تعيش عشرات السنين، لأنها امتلكت ما هو أثمن من المال، وهو القدرة على الحفاظ على المعنى، لأنها كانت تمتلك طاقات المبدعين، لا التزامات الموظفين. لأن العلاقة الإنسانية مشروع متجدد يحتاج إلى وعي دائم، وإلى قدرة مستمرة على إعادة إنتاج المودة والثقة والمعنى، كلما حاولت الحياة أن تستهلكها.
وهنا يصبح السؤال أعمق من أن يكون: هل الزواج مشروع ناجح أم فاشل؟ بل يصبح السؤال الأهم: هل ما زال الزواج ينتج معنى، أم أنه اكتفى بأداء الأدوار؟ في المجتمع المعاصر، خصوصاً في البيئات التي تركز على المظاهر والتجهيزات المادية للزواج، تتحول الأسئلة أحياناً إلى إنترفيو يدور حول: «شقة، سيارة، راتب، مكانة اجتماعية»، وهي أمور مهمة بلا شك، لكنها ليست ما يصنع الحياة نفسها. فالعلاقات بقدر ما تحتاج إلى تجهيز، تحتاج إلى تأهيل يسبقه، وهو ما نفتقده كثيراً.
من هنا تظهر فكرة ملحة إلى إعداد حقيقي للمقبلين على الزواج، ليس عبر محاضرات تقليدية، بل عبر وعي عملي بالعلاقة، وإدارة الخلاف، والتواصل، والتخطيط، وبناء الأسرة. بل لا بد أن يواكب ذلك مسار آخر لإعداد الأطفال من خلال برنامج تعليمي وتربوي، داخل المدارس والمؤسسات التعليمية، لتأهيل الأطفال ليكونوا مبدعين في علاقاتهم الإنسانية وليسوا موظفين. فربما يكون جزء كبير من أزمات الأسرة المعاصرة ليس سوء نية، بل نقص وعي.
وفي النهاية، يبقى السؤال الجوهري الذي لا يتغير عبر الزمن: هل يستطيع الرجل والمرأة أن يكملا الرحلة معاً؟ فمنذ آدم وحواء حتى اليوم، لم يكن معيار النجاح في الزواج هو المال أو الجمال أو السلطة، بل القدرة على تحويل الأنا إلى نحن، وعلى بناء مساحة تسمح بالاختلاف دون أن تنهار، وبالضعف دون أن تنكسر. وكأن التاريخ كله يكرر الدرس نفسه: ليس المهم ما يملكه الناس عند بداية العلاقة، بل ما يستطيعون بناءه داخلها.
وإذا كانت المجتمعات تنشئ الجامعات لتأهيل الأطباء والمهندسين والمعلمين، فربما آن الأوان لأن نتساءل: لماذا نعد الإنسان لسنوات طويلة من أجل وظيفة قد يتركها يوماً ما، ولا نعده بالقدر نفسه لأهم شراكة إنسانية قد يعيشها طوال عمره؟ إن الأزواج يعرفون جيداً تكلفة الأثاث، أكثر مما يعرفون كيفية إدارة الخلاف. يفكرون جيداً في يوم البداية أكثر مما يفكرون في سنوات الاستمرار. لهذا لم يعد غريباً أن تتزايد الدعوات إلى برامج ومراكز وأكاديميات متخصصة في تأهيل المقبلين على الزواج تحت إشراف مؤسسات الدولة، لا لتعليمهم الحقوق والواجبات فقط، فالقوانين واللوائح يمكن قراءتها في ساعات، وإنما لتعليمهم مهارات التواصل، وفنون الحوار، وإدارة الاختلاف، وبناء الثقة، وفهم الاحتياجات النفسية والإنسانية للطرف الآخر.
الزواج ليس حدثاً اجتماعياً يبدأ بحفل وينتهي بصورة تذكارية، بل رحلة طويلة تحتاج إلى علم كما تحتاج إلى حب، وإلى وعي كما تحتاج إلى مشاعر. إن أحد أكبر أخطاء عصرنا أننا افترضنا أن الإنسان يتعلم الزواج تلقائياً، لمجرد أنه بلغ السن المناسبة له، بينما تثبت التجارب يوماً بعد يوم أن بناء أسرة ناجحة يحتاج إلى معرفة لا تقل أهمية عن أي معرفة أخرى في الحياة.
في النهاية، ربما تكون المشكلة ليست في الزواج ذاته، بل في الطريقة التي نتعامل بها معه. فالعلاقة التي تدار كوظيفة قد تنجح في التنظيم، لكنها كثيراً ما تفشل في الحياة. أما العلاقة التي تسمح للإنسان بأن يكون مبدعاً داخلها، فإنها تظل أكثر قدرة على البقاء، لأنها لا تكتفي بأداء الواجب، بل تواصل صناعة المعنى. ربما كان الزواج واحداً من أكثر الأماكن التي تحتاج إلى المبدعين. فالقانون يحفظ الحقوق، والعقد ينظم العلاقة، لكن الحياة بين رجل وامرأة لا يصنعها القانون وحده، ولا تحميها البنود وحدها، بل يصنعها زوجان يرفضان أن يعيشا كموظفين داخل علاقة. عندها فقط لن يصبح الزواج عقد عمل باسم الحب، بل يصبح رحلة عمر يكتشف فيها كل طرف نفسه من خلال الآخر، ويجد في السكن والمودة والرحمة ما لا يمكن لأي عقد أن يكتبه، ولا لأي وظيفة أن تؤديه. علاقة يمكن تلخيصها في كلمات: المكان الذي يحتاج إلى مبدع، لن يصلح له موظف.



