منذ بضعة أيام، رصدت عيون رواد مواقع التواصل الاجتماعي مقطع فيديو قصيراً صاعقاً يوثق مأساة تقشعر لها الأبدان؛ حيث صُدم الجميع بمشهد أب يرفض استقبال طفله وتحمل مسؤولية رعايته، الذي ربما لم يتجاوز الثالثة عشرة من عمره، مغلقاً باب منزله في وجهه بلا رحمة أو خجل.
تفاصيل المأساة
تجسدت تلك الأحداث المؤلمة عندما حضر الصغير برفقة خاله الذي تكفل به لأربعة أشهر؛ بسبب وفاة جدته لأمه، والتي كانت ترعاه نيابة عن والدته التي كانت تتمتع بحضانة اسمية بدأت منذ انفصالها بالطلاق عام 2014. واستمر الوضع على هذا النحو حتى تزوجت الأم مؤخراً، تاركة فلذة كبدها، ومتضامنة مع قرار شقيقها بإعادته إلى أبيه. وقد وثق الخال المقطع المنتشر وهو يرفض بتبلد مشاعر لا يوصف استقبال ابنه في محل إقامته مع زوجته الجديدة بمدينة البدرشين؛ وكأنها أمواج من العناد والقسوة اللافطرية تلاطم وجه هذا المخلوق الضعيف وبنية كيانه.
تدخل الأجهزة الأمنية
وقبل أن تبتلع تلك الأمواج براءة الصغير وأمانه تماماً، أنقذته العناية الإلهية؛ إذ رصدت الأجهزة المعنية بوزارة الداخلية المقطع المتداول، وجرى استدعاء الأب لمواجهته بتبعات هذا التنصل. وأفضت التحقيقات إلى إلزام الوالد المتقاعس بمسؤولياته؛ حيث تسلم طفله بموجب محضر رسمي وتعهد مكتوب يقضي بحسن رعايته وتوفير مسكن آمن وملائم له. ولضمان عدم تكرار الواقعة، بقي الأمر قيد المتابعة القانونية الدورية؛ للتأكد من صون حقوق الصغير والوفاء بكامل الالتزام.
تداعيات التفكك الأسري
وللأسف الشديد، فإن الأمر يتخطى مجرد ظرف عابر وتجربة قاسية مر بها هذا الشبل أو غيره من المقهورين؛ ليصل إلى حد تدريبهم قسراً على تعلم الجحود منذ نعومة أظفارهم، والهروب من المسؤولية لأتفه الأسباب، مما يزلزل كيانهم الوليد ويشوه فطرتهم النقية. إن رؤية هؤلاء الصغار للصراعات الزوجية التي تفضي إلى الطلاق تبث الرعب في نفوس أجيال لن تشعر بالاستقرار النفسي أو السلام الاجتماعي المنشود؛ بين أحضان والدين يُفترض أنهما درع الوقاية وحائط الصد الأول ضد تقلبات الحياة، ومصدر الأمان والطمأنينة والأمل في المستقبل.
دروس من التاريخ
وإذا كان التاريخ لا يغفل ولا يرحم، فإن الشواهد الإنسانية تؤكد أن طفل البدرشين قد انتشلته العناية الربانية وتداركه الحزم الرسمي قبل الهاوية، بينما مضى غيره في بلاد الغرب على ذات الرصيف الموحش دون أن يجدوا يداً تمنع تهاويهم. ولعل ما سطرته سجلات الطب النفسي الجنائي في أمريكا عن سيرة "جون واين جيسي" يبرهن على ذلك؛ فقد نبت هذا الفتى في بيئة يملؤها نبذ الوالد وقسوته المفرطة التي بلغت حد إغلاق الأبواب في وجهه وتركه طريداً بغير مأوى، وسط استسلام تام من الأم. هذا التخلي البغيض تسبب في تصدع وجدانه وعصف بسلامه الداخلي، ومع مرور السنوات وبلوغه سن الرشد، لم ينسَ اليافع غصة الطرد، بل تشرّب القسوة وتدرب عليها جيداً ليعيد تصديرها للمجتمع بصورة بالغة البشاعة؛ حيث تحول إلى مجرم تسلسلي دموي سلب حياة ثلاثة وثلاثين شاباً وصبياً، مستدرجاً إياهم إلى منزله ليجهز عليهم بدم بارد ثم يواريهم الثرى أسفل قبو بيته، في انتقام لا واعٍ من ماضيه المهجور وحرمانه القديم.
التحليل النفسي والاجتماعي
من هذا المنطلق، يرى جهابذة علم النفس الاجتماعي والتحليل السلوكي أن جناية "جيسي" لم تكن مجرد نزوع عابر نحو الشر، بل هي بمثابة ارتداد زلزالي للتشويه الفطري الذي مورس ضده في مراهقته. ويشير علماء هذا التخصص إلى أن الحرمان من الأمان المرجعي داخل الأسرة ينشئ ما يُعرف بـ "العدائية المنقولة"؛ حيث يعجز الضحية عن مواجهة مصدر وجعه الأصلي (الوالدين)، فيخزن ذلك المخزون الانتقامي المكتوم، ليتفجر لاحقاً في كبره على هيئة استهداف لشرائح ضعيفة تعوضه وهم السيطرة التي افتقدها في بيت أبيه. إن هذا التشريح العلمي يؤكد بوضوح أن النبذ العائلي لا يقتصر أثره المدمر على جدران المنزل، وإنما يمتد ليكون بمثابة صناعة ممنهجة لمسوخ آدمية تهلك الحرث والنسل؛ لتتحول الخطايا الأبوية الصامتة إلى قنابل موقوتة يدفع ثمن انفجارها مجتمع بأسره.
دعوة للوعي المجتمعي
أخيراً، دعونا نتفق على أن أبناءنا ليسوا متاعاً يُركن، أو قطع أثاث تُجرى تقاسمها أو نبذها عند عتبات الانفصال وإعادة بناء الحياة الذاتية، بل هم ودائع وجودية وحق أصيل للحياة. إن مأساة هذا الطفل وتفاصيل انكساره أمام باب والده المغلق يضعان مجتمعنا أمام مرآة الحقيقة بغير تجميل؛ فنجاة طفل البدرشين بحسم القانون يجب ألا تمر كحدث عابر، بل هي نذير صاعق لكل من قدم حساباته الشخصية على مسؤولياته الأبوية؛ فالحماية الرسمية قد ترمم الأمان الخارجي وتصون الجسد، لكنها لا تملك رتق القلوب الكسيرة. لقد حان الوقت لتدرك الضمائر أن رعاية النشء وحقهم في بيئة سوية هما صمام الأمان القومي والاجتماعي الأول، وأن الجحود الأسري ليس شأناً شخصياً، بل هو جريمة مكتملة الأركان تُرتكب في حق الإنسانية والمستقبل؛ جريمة يتوجب وأدها قبل أن تستحيل مسوخاً تحرق بلهيبها الجميع، تصديقاً للتحذير الإلهي الشديد الذي جعل رعاية الأهل وقاية من دمار يبتلع البشر؛ ويقول الحق سبحانه وتعالى في سورة التحريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ صدق الله العظيم.



