د. هبة محمد عيد تكتب: الخيانة التي تبدأ بالصمت وتتقاعس عن الخير
الخيانة التي تبدأ بالصمت وتتقاعس عن الخير

اعتدنا أن نختزل الخيانة في صورة الغادر الذي ينقض عهدا أو يطعن ثقة أو يخذل قلبا ائتمنه على أسراره. لكن الحياة أكثر تعقيدا من هذه الصورة المباشرة. فالخيانة ليست دائما فعلا يرتكب، بل قد تكون واجبا يترك، أو قدرة تهمل، أو كلمة تحبس في اللحظة التي كان ينبغي أن تقال فيها.

الخيانة في الحكمة القديمة

ولعل هذا ما تلخصه الحكمة القديمة حين تقول: "الخائن أربعة: قادر لم يفعل، وغني لم ينفق، وقاعد لم يبادر، ولسان لم يتكلم". إنها حكمة تنقل مفهوم الخيانة من دائرة العلاقات الشخصية إلى مساحة أوسع تتعلق بالمسؤولية الإنسانية. فليس الخائن فقط من تعمد الإضرار بغيره، بل قد يكون أيضا من امتلك القدرة على النفع واختار الوقوف على الهامش.

القادر الذي لم يفعل

فالقادر الذي لم يفعل ليس عاجزا منعته الظروف، بل إنسان امتلك الوسيلة والفرصة والتأثير، ورأى ما يمكن إصلاحه ثم آثر الانسحاب أو اللامبالاة. وكثيرا ما تخسر المجتمعات بسبب تقاعس القادرين أكثر مما تخسر بسبب أخطاء العاجزين.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

الغني الذي لم ينفق

أما الغني الذي لم ينفق فالغنى هنا لا يقتصر على المال وحده. فهناك من أغناه الله علما فلم يعلم، أو خبرة فلم ينصح، أو محبة فلم يواسي، أو وقتا لم يمنحه لمن يحتاجه. فالعطاء الحقيقي لا يقاس بما يخرج من اليد فقط، بل بما يخرج من القلب أيضا.

القاعد الذي لم يبادر

ويأتي القاعد الذي لم يبادر ليجسد واحدة من أكثر الظواهر انتشارا في حياتنا. الجميع يرى المشكلة والجميع يدرك الحاجة، لكن القليل فقط من يتحرك. وبين الانتظار والتردد تضيع فرص كثيرة كان يمكن أن تصنع أثرا حقيقيا.

لسان لم يتكلم

ثم تبقى الصورة الأخيرة والأكثر إيلاما: لسان لم يتكلم. فكم من ظلم استمر لأن الشهود صمتوا، وكم من حق ضاع لأن أصحابه تركوا وحدهم، وكم من إنسان كان يحتاج كلمة إنصاف أو دعما صادقا فلم يجد من يقف إلى جواره. فالصمت في بعض المواقف ليس حيادا كما نتصور، بل موقف له نتائجه وآثاره.

المعنى العميق للخيانة

إن المعنى العميق لهذه الحكمة أن الإنسان لا يقاس فقط بما فعل، بل أيضا بما كان قادرا على فعله ثم تقاعس عنه. فالحياة لا تسألنا دائما عما ارتكبناه من أخطاء، بل قد تسألنا عما ضيعناه من فرص للخير كان يمكن أن نصنع بها فرقا.

وفي النهاية ليست كل الخيانات صاخبة أو واضحة للعيان. هناك خيانات هادئة لا يعلم بها إلا الضمير، حين نغادر موقفا كان يحتاج شجاعتنا، أو نحتفظ بعطاء كان يمكن أن يخفف ألما، أو نصمت عن كلمة حق كان من الممكن أن تنقذ إنسانا أو تغير واقعا.

فأخطر أنواع الخيانة ليست تلك التي تكسر قلوب الآخرين فحسب، بل تلك التي تجعل الإنسان يقف يوما أمام نفسه ليكتشف أنه كان قادرا على أن يكون أفضل... ولم يفعل.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي