لم يعد الحديث داخل النادي الأهلي يقتصر على اسم المدير الفني الجديد أو الصفقات المنتظرة، بل تحول التركيز نحو أزمة أخرى تراها الإدارة أكثر خطورة على مستقبل الفريق، وهي ملف الرواتب الضخمة داخل غرفة الملابس التي أصبحت من أكثر القضايا حساسية في قطاع الكرة خلال السنوات الأخيرة.
سياسة الرواتب السابقة
الأهلي، الذي اعتاد لسنوات طويلة الحفاظ على استقراره من خلال العقود الكبيرة والامتيازات المالية، بدأ يكتشف تدريجياً أن هذه السياسة لم تعد تحقق الهدف نفسه، بل أصبحت أحياناً سبباً مباشراً في خلق أزمات داخلية بين اللاعبين، خاصة مع الارتفاع الجنوني في سقف الرواتب داخل الكرة المصرية. ومن هنا جاءت التحركات الأخيرة التي يقودها ياسين منصور وسيد عبد الحفيظ لإعادة صياغة فلسفة إدارة الفريق، ليس فقط فنياً بل مالياً وإدارياً، في محاولة لبناء غرفة ملابس أكثر استقراراً وأقل توتراً.
خلل في الرواتب
داخل الأهلي هناك اقتناع واضح بأن السنوات الماضية شهدت خللاً كبيراً في مسألة الرواتب، بعدما دخلت الأندية المصرية سباقاً مفتوحاً لرفع قيمة العقود، مما دفع كثيراً من اللاعبين للمقارنة المستمرة داخل غرفة الملابس، وأصبح كل لاعب ينظر إلى ما يحصل عليه زميله أكثر مما ينظر إلى ما يقدمه داخل الملعب. هذا الأمر خلق حالة من عدم التوازن وأدخل النادي في دوامة مستمرة من التجديدات الصعبة والمطالب المالية المتزايدة، حتى باتت الإدارة ترى أن استمرار السياسة القديمة قد يتحول مستقبلاً إلى عبء مالي وفني في الوقت نفسه.
العقود مرتبطة بالبطولات
ولهذا بدأ التفكير في نموذج جديد يعتمد على ربط الجزء الأكبر من عقود اللاعبين بالبطولات والإنجازات بدلاً من منح رواتب ضخمة وثابتة منذ البداية. الفكرة التي تتم مناقشتها حالياً تقوم على أن يحصل اللاعب على امتيازاته المالية الكبرى عندما يحقق الفريق نجاحات حقيقية، سواء على المستوى المحلي أو القاري، بحيث تصبح المكافآت مرتبطة بالفوز بالدوري أو دوري أبطال أفريقيا أو الوصول للمراحل النهائية من البطولات الكبرى. الإدارة ترى أن هذا النظام لن يساعد فقط على تخفيف الضغط المالي، لكنه سيعيد أيضاً خلق حالة من الدافع والجوع داخل الفريق، بعدما شعرت في فترات كثيرة أن بعض اللاعبين فقدوا الحافز بمجرد الحصول على عقود ضخمة.
إلغاء المدير الرياضي
وفي الوقت نفسه، يتحرك الأهلي لإعادة ترتيب الهيكل الإداري للفريق بصورة مختلفة تماماً عن السنوات الماضية. فقد اتخذ النادي قراراً نهائياً بإلغاء منصب المدير الرياضي، سواء بشخصية مصرية أو أجنبية، بعدما استقر الرأي على أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى توزيع الاختصاصات بدلاً من تركيز كل الملفات في يد شخص واحد. هذا التوجه الجديد يفسر التحركات الخاصة بإعادة تشكيل قطاع الكرة بالكامل، سواء على مستوى التعاقدات أو الاسكاوتنج أو إدارة الفريق الأول، في محاولة لبناء نموذج أكثر احترافية واستقراراً.
ملف مدير الكرة
ومن هنا برز ملف مدير الكرة باعتباره أحد أكثر الملفات تعقيداً داخل النادي حالياً. فالأهلي لا يبحث هذه المرة عن اسم جماهيري فقط، بل عن شخصية قادرة على إدارة غرفة ملابس مليئة بالنجوم وتنفيذ السياسة الجديدة للنادي بحزم وانضباط. عدة أسماء طُرحت بالفعل خلال الفترة الماضية، لكن معظمها خرج من الحسابات لأسباب مختلفة.
اسم محمد بركات كان مطروحاً بقوة، إلا أن تقييم تجربته الإدارية السابقة لم يمنح الإدارة القناعة الكاملة بقدرته على إدارة المرحلة الحالية. كما تم طرح اسم عماد متعب، لكن التحفظ الأساسي جاء بسبب قلة خبراته الإدارية المباشرة، بينما رأت الإدارة أن علاء ميهوب يميل أكثر للأدوار الفنية وليس الإدارية. أما محمد شوقي، فرغم وجود إعجاب واضح بما يقدمه فنياً، فإن الأهلي لا يريد سحبه حالياً من مساره التدريبي في ظل اقتناع داخلي بأنه قد يصبح مشروع مدير فني مهم للنادي مستقبلاً.
الاتجاه الجديد
وفي ظل هذه المعطيات، أصبح الاتجاه الأقرب داخل الأهلي هو البحث عن شخصية شابة للعمل في منصب مدير الكرة تحت مظلة سيد عبد الحفيظ في البداية، قبل منحها مساحة أكبر مستقبلاً، في إطار خطة تهدف لصناعة كوادر إدارية جديدة داخل النادي. ويبدو واضحاً أن الإدارة ترى في تجربة سيد عبد الحفيظ نموذجاً ناجحاً لإدارة غرفة الملابس، خصوصاً فيما يتعلق بالانضباط والسيطرة على الأزمات، وهي أمور شعرت الإدارة أن الفريق افتقد جزءاً منها خلال الفترات الأخيرة.
لكن ما يحدث داخل الأهلي حالياً لا يتعلق فقط بالأشخاص أو المناصب، بل بمحاولة أوسع لإعادة تعريف شكل إدارة كرة القدم داخل النادي. فالأهلي يريد بناء منظومة لا تعتمد على ردود الأفعال أو القرارات الفردية، بل على هيكل واضح يقوم على التخصص والانضباط المالي وربط النجاح الرياضي بالعائد الاقتصادي.



