عاشت الجماهير المصرية ليلة قاسية عقب انتهاء مباراة المنتخب الوطني ضد نظيره الأرجنتيني في كأس العالم 2026، حيث تحولت المباراة من فوز ساحق بهدفين دون رد إلى هزيمة بثلاثة أهداف قاتلة بعد الدقيقة 79. لم تكن المباراة مجرد مواقف كروية عابرة، بل تحولت إلى هزة نفسية عميقة أصابت الملايين بالحزن الشديد والاكتئاب، وفقًا لتوصيف الدكتور محمد حمودة، أستاذ الطب النفسي بجامعة الأزهر.
من قمة الأدرينالين إلى قاع الخذلان
يفسر الدكتور محمد حمودة أن السيناريو الذي سارت به المباراة كان كفيلًا بصناعة صدمة نفسية حقيقية، قائلاً: «المباراة أعطت للجماهير أملًا كبيرًا وضخمت من إفراز هرمون الأدرينالين في الدم حتى الدقيقة 79، في تلك اللحظة بدأ الجميع يشعر بالاطمئنان والاقتراب من حسم اللقاء، وبدأت الاحتفالات بالفعل ظنًا بأن الحكاية انتهت لصالحنا، لكن فجأة وفي لمح البصر انتُزع هذا الحلم من الجميع».
هذا التحول المفاجئ فجر شعورًا جارفًا بالظلم، خاصة مع عوامل ملموسة مثل القرارات التحكيمية الظالمة التي ألغت أهدافًا مستحقة لمصر ومنحت الخصم أفضيلة غير عادلة، والتغييرات الفنية التي تسببت في استقبال أهداف وعكست مجريات المباراة بالكامل.
اضطراب كرب ما بعد الصدمة
يرى أستاذ الطب النفسي أن الحزن لم يتوقف عند المستطيل الأخضر، بل لامس أزمات الجماهير الشخصية. حين وقع الظلم الكروي، بدأ العقل البشري تلقائيًا بربط هذه الخسارة بالعالم الخارجي وبالحياة الشخصية للمشجع. وأضاف: «بدأ الناس يربطون أحداث المباراة بتجاربهم الشخصية المريرة مع الخذلان والظلم في الحياة، ولأن هذا الظلم في المباراة كان حقيقيًا وموثقًا، فقد تضاعف الحزن بشكل مرعب، وهو ما يقودنا علميًا إلى ما يُعرف باضطراب كرب ما بعد الصدمة (PTSD)».
وزاد هذا الاضطراب في استمرار المشجعين بإعادة شريط المباراة في أذهانهم طوال الوقت، والتفكير المستمر في التساؤل المؤلم: «إزاي.. كان فاضل 10 دقايق ونكسب».
كيف نخرج من نفق الاكتئاب الكروي؟
شدد الدكتور محمد حمودة على أن الخروج من هذه الحالة يتطلب خطوات جادة لإعادة التأهيل النفسي، وقسمها إلى شقين:
تأهيل اللاعبين والمنظومة الرياضية
اللاعبون هم الفئة الأكثر تضررًا، وهم بحاجة إلى تأهيل نفسي مكثف وعميق. أوضح الطبيب أن الصدمة تجعلهم يتساءلون: «لماذا نبذل جهدًا مضاعفًا في المرات القادمة ونحن لا نضمن تحقيق النتائج، أو ربما نتعرض للظلم مجددًا؟»، لذا لابد من علاج هذه الانهزامية لضمان عودتهم للمنافسة بروح قوية.
تأهيل الجماهير ومحبي كرة القدم
وقال الطبيب النفسي: «للأسف، حتى الجمهور (خاصة المتعصبين ومجذبي كرة القدم) يحتاج إلى وقفة نفسية». وقدم روشتة علاجية سريعة تشمل:
- التوقف الفوري عن المشاهدة: يجب الامتناع تمامًا عن إعادة لقطات المباراة، أو قراءة التحليلات التي تزيد من جلد الذات واسترجاع الألم.
- الانخراط في العمل والحياة اليومية: العودة سريعًا للتركيز في الشغل والمسؤوليات الشخصية والانشغال بأمور حياتية أخرى كفيل بسحب العقل بعيدًا عن دوامة اللقاء.
ويؤكد الدكتور محمد حمودة أن الحزن لأيام أمر طبيعي، ولكن إذا استمرت هذه الحالة من الاكتئاب، والبكاء، والعزلة، والتفكير في المباراة لأكثر من أسبوعين، فإن الأمر يخرج من نطاق الحزن الطبيعي إلى الاضطراب المرضي، وهنا يصبح استشارة الطبيب النفسي أمرًا حتميًا لا غنى عنه.



