لماذا فضل بنو إسرائيل طعام العبيد على المن والسلوى؟ تفسير الشعراوي
سبب طلب بني إسرائيل استبدال المن والسلوى بأدنى الطعام

استعرض الشيخ محمد متولي الشعراوي في خواطره عن سورة البقرة طلب بني إسرائيل استبدال المن والسلوى بأن يخرج الله لهم أطعمة مما تنبت الأرض، موضحًا السبب وراء هذا الطلب وعلاقته بطعام العبيد.

الآية الكريمة

قال تعالى: «وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ» (سورة البقرة: 61).

تفسير الشيخ الشعراوي

أوضح الشيخ الشعراوي أن بني إسرائيل طلبوا من موسى أن يدعو الله ليخرج لهم أطعمة مما تنبت الأرض، وعددوا ألوانًا كالبقل والقثاء والفوم والعدس والبصل. لكن هذه الأصناف تدل على أن من يأكلها هم من صنف العبيد، إذ كان آل فرعون يستعبدون بني إسرائيل، ويبدو أنهم أحبوا حياة العبودية واستطعموها. وكان الله يريد رفع قدرهم فأنزل عليهم المن والسلوى.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

طعام العبيد

وأضاف الشعراوي: لكنهم فضلوا طعام العبيد. والبقل ليس مقصودًا به البقول فحسب، بل كل نبات لا ساق له مثل الخس والفجل والكرات والجرجير. والقثاء هو القتة، صنف من الخيار. والفوم هو القمح أو الثوم. والعدس والبصل معروفان. وقبل أن يجيبهم الله، أراد تأنيبهم فقال: «أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ». وعندما نسمع كلمة استبدال، فاعلم أن الباء تدخل على المتروك، فمعنى ذلك أنهم تركوا الذي هو خير (المن والسلوى) وأخذوا الذي هو أدنى.

معنى الأدنى من الطعام

وتابع: الدنو هنا لا يعني الدناءة، لأن ما تنتجه الأرض من نعم الله لا يمكن وصفه بالدناءة. ولكن الله يخلق بالأسباب ويخلق بالأمر المباشر. ما يخلقه الله بالأمر المباشر بكلمة (كن) يكون خيرًا مما جاء بالأسباب، لأن الخلق المباشر لا صفة لك فيه، عطاء خالص من الله. أما الخالق بالأسباب فقد يكون لك دور فيه، كالحرث والبذر. ما جاء خالصًا من الله بدون أسبابك يقترب من عطاء الآخرة التي يعطي الله فيها بلا أسباب بل بكلمة (كن). ولذلك يقول الله: «وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى» (طه: 131).

فتنة رزق الدنيا

وأكمل: فالله يصف رزق الدنيا بأنه فتنة، ويصف رزق الآخرة بأنه خير منه، مع أن كل رزق في هذا الوجود حتى الحرام هو من الله، فلا رازق إلا الله. ولكن الذي يجعل الرزق حرامًا هو استعجال الناس عليه فيأخذونه بطريق حرام، ولو صبروا لجاءهم حلالًا. نقول إن الله هو الذي يرزق، ولكنه سمى رزقًا فتنة وسمى رزقًا خيرًا منه، ذلك أن الرزق من الله بدون أسباب أعلى وأفضل منزلة من الرزق الذي يتم بالأسباب.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

واختتم الشعراوي: إذن حين يقول الله: «أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ»، يكون المعنى أتستبدلون الذي هو رزق مباشر من الله (المن والسلوى) يأتيكم بكلمة (كن) قريب من رزق الآخرة، بما هو أقل منه درجة وهو رزق الأسباب في الدنيا. ولم يجب بنو إسرائيل على هذا التأنيب، فقال الله لهم: «اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ». ولا يقال لهم ذلك إلا لأنهم أصروا على الطلب برغم أن الله بين لهم أن ما ينزله إليهم خير مما يطلبونه.