بعد ارتفاع أسعار الديزل المرتبطة بتداعيات الحرب في إيران، تسارعت خطط تشغيل أبراج الاتصالات في أفريقيا بالطاقة الشمسية، حيث أصبح التحول من الوقود الأحفوري ضرورة اقتصادية وتشغيلية. ووفقًا لوكالة "أسوشيتيد برس"، فإن الديزل الذي يغذي الغالبية العظمى من نحو 500 ألف برج اتصالات في القارة أصبح أكثر تكلفة وأصعب في الحصول عليه في الأسابيع الأخيرة، مع تشدد أسواق الوقود العالمية.
تأثير الحرب على إمدادات الطاقة
أفادت عدة دول أفريقية تعتمد بشكل كبير على الوقود المستورد بارتفاع الأسعار واضطرابات في الإمدادات، مما دفع الحكومات والشركات إلى إعادة تقييم استراتيجيات الطاقة. وكان التحول إلى مصادر طاقة أنظف قائمًا قبل صدمة الأسعار الأخيرة، مدفوعًا بضغوط التكاليف والأهداف المناخية، إلا أن الحرب في الشرق الأوسط سرعت هذا التوجه.
وقال لاندي أبودو، أخصائي أول للطاقة في أفريقيا لدى منظمة "جي إس إم إيه"، وهي منظمة صناعية عالمية تمثل مشغلي شبكات الهاتف المحمول: "كان الديزل دائمًا تكلفة رئيسية، لكن الأحداث العالمية الأخيرة جعلته أكثر تقلبًا، وهذا يعزز من جدوى الحلول الشمسية والهجينة".
الحلول الشمسية والهجينة
في مختلف أنحاء القارة، يتجه مشغلو شبكات الهاتف المحمول بشكل متزايد إلى اعتماد أنظمة هجينة تجمع بين الألواح الشمسية وتخزين البطاريات مع استخدام محدود للديزل كاحتياطي. ويسعى بعضهم إلى تشغيل المواقع بالكامل بالطاقة الشمسية مع مرور الوقت، خاصة في المناطق الريفية أو غير المرتبطة بالشبكات الكهربائية، حيث يكون توسيع الشبكات مكلفًا.
تقليديًا، كانت أبراج الاتصالات في أفريقيا تعمل بمولدات الديزل، وهي وحدات صناعية كبيرة تتطلب تزويدها بالوقود يدويًا. في المقابل، تعتمد الأبراج التي تعمل بالطاقة الشمسية على ضوء الشمس لتوليد الكهرباء باستخدام الألواح الشمسية، مع تخزين الطاقة في بطاريات لضمان التشغيل المستمر.
استثمارات جديدة في الطاقة الشمسية
خلال الشهر الماضي، أعلنت شركة "أطلس تاور كينيا"، المملوكة لمستثمرين أمريكيين، أنها تستثمر 52.5 مليون دولار لبناء 300 برج اتصالات جديد يعمل بالطاقة الشمسية لخدمة شركات اتصالات رئيسية، من بينهم "سافاريكوم" و"إيرتل" و"تيلكوم كينيا". وتمتلك الشركة حاليًا نسبة 82% من أبراجها البالغ عددها 500 برج تعمل بالطاقة الشمسية.
أصبحت الاعتبارات الاقتصادية أكثر إقناعًا، إذ تمثل الطاقة ما يصل إلى 60% من تكاليف تشغيل أبراج الاتصالات في المناطق غير المرتبطة بالشبكات. وكان الديزل قد أصبح أكثر تكلفة وصعوبة في الإدارة، مع تحديات تشمل النقل والسرقة والصيانة.
ارتفاع تكاليف الطاقة
أفادت شركة "فوداكوم أفريقيا" للاتصالات بأن تكاليف الطاقة لديها ارتفعت بنسبة 5% لتصل إلى 300 مليون دولار في 2025 مقارنة بالعام السابق، مشيرة إلى ارتفاع تعرفة الكهرباء وأسعار الوقود. وتعمل الشركة في جنوب أفريقيا وجمهورية الكونغو الديمقراطية وموزمبيق وتنزانيا وليسوتو، وتمتلك شركات تابعة في كينيا وإثيوبيا عبر "سافاريكوم". وكانت سافاريكوم قد جمعت 153.6 مليون دولار العام الماضي عبر سندات خضراء لدعم تحول أبراجها إلى الطاقة الشمسية.
في دول مثل نيجيريا، ازدادت الضغوط بشكل كبير، حيث أدى إلغاء دعم الوقود في 2023 إلى ارتفاع أسعار الديزل بنسبة تصل إلى 200% خلال عام واحد. وينفق المشغلون الآن نحو 400 مليون دولار سنويًا لتشغيل الأبراج، وقد زادت الضغوط مؤخرًا مع ارتفاع الأسعار العالمية المرتبطة بالحرب في إيران.
تسريع نشر الطاقة النظيفة
تستجيب الشركات عبر تسريع نشر حلول الطاقة النظيفة، فشركات مثل "آي سات أفريقيا" تعمل على نشر أبراج تعمل بالطاقة الشمسية مدعومة بنماذج تمويل جديدة، بينما توسع شركات كبرى مثل "أورانج" و"فوداكوم" و"إم تي إن جروب" و"إيرتل أفريقيا" استخدام الأنظمة الشمسية والهجينة في شبكاتها.
وقال راكيش كوكريجا، الرئيس التنفيذي لشركة "آي سات أفريقيا": "من خلال استبدال أبراج الاتصالات العاملة بالديزل ببنية تحتية تعمل بالكامل بالطاقة الشمسية، نتوقع خفض الانبعاثات الكربونية المرتبطة بعمليات الشبكات".
وفورات ملحوظة
أظهرت النتائج الأولية تحقيق وفورات كبيرة، حيث خفضت عمليات شركة "إم تي إن" في جنوب السودان إنفاق الوقود بنحو 30% بعد اعتماد الطاقة الشمسية، بينما قلصت شركة "إيرتل أفريقيا"، بالتعاون مع "إنجي إنرجي"، استخدام الديزل بأكثر من النصف في مواقع في زامبيا والكونغو الديمقراطية. وأوضحت "فوداكوم أفريقيا" في تقرير الاستدامة لعام 2025 أن ربط الأبراج بالشبكات الوطنية وتوسيع استخدام الطاقة الشمسية والبطاريات يمثلان جزءًا رئيسيًا من استراتيجيتها لاستبدال مولدات الديزل.
فوائد تتجاوز خفض التكاليف
لا تقتصر الفوائد على خفض التكاليف، إذ إن الأبراج التي تعمل بالطاقة الشمسية أقل عرضة لنقص الوقود أو أعطال المولدات، مما يعزز موثوقية الخدمة في المناطق المحرومة. وفي أجزاء من شمال نيجيريا والكونغو الديمقراطية، تسببت انقطاعات مرتبطة بنقص الوقود في تعطيل خدمات تشمل المدفوعات عبر الهاتف المحمول والاتصالات الطارئة.
يمكن أن يساعد استبدال مولدات الديزل بالطاقة الشمسية في سد فجوة الاتصال في أفريقيا، حيث لا يزال نحو 65% من السكان الذين يمكنهم الاستفادة من الإنترنت عبر الهاتف المحمول غير متصلين، وفقًا لمنظمة "جي إس إم إيه". وفي المناطق الريفية في كينيا، قال سكان في بعض المجتمعات غير المرتبطة بالشبكات إن الأبراج الشمسية حسّنت استقرار الخدمة، مما أتاح وصولًا أكثر انتظامًا للخدمات المصرفية عبر الهاتف والتعليم والمعلومات الصحية.
دور الأبراج في توفير الكهرباء
يُعد اعتماد أفريقيا على الديزل أكثر وضوحًا بسبب ضعف البنية التحتية لشبكات الكهرباء، مما يجعل هذا التحول أكثر تحديًا ولكنه أيضًا أكثر تأثيرًا. وقال أمينو مايدا، رئيس هيئة الاتصالات النيجيرية، إن المنظمين يرون فوائد أوسع لهذا التحول: "يمكن لهذه الأبراج أن تعمل كنقاط ارتكاز لشبكات الطاقة الشمسية المصغرة، لتوفير الكهرباء ليس فقط للأبراج، بل أيضًا للمنازل والشركات والخدمات العامة القريبة".
ومع استمرار حالة عدم اليقين بشأن أسعار الوقود في ظل التوترات العالمية، يرى خبراء الصناعة أن التحول نحو الطاقة النظيفة سيزداد قوة.



