اجتماع سري في عالم الأدوية يستدعي كبير المحتالين
في ليلة حالكة السواد، خلت من ضوء القمر والنجوم، اجتمع أباطرة صناعة الدواء من مختلف أنحاء العالم في قاعة مغلقة الأبواب. كانت وجوههم شاحبة، وقلوبهم مضطربة، فقد بدأت أرباحهم تهتز بعنف بعد أن شفي مرضى كانوا يمثلون بالنسبة لهم كنوزًا سائرة تدر الذهب. تقلصت مبيعاتهم، واهتزت عروشهم المالية، وكادت خزائنهم أن تطلق أنينًا لم تعهده من قبل.
استدعاء أمير الدهاء والمكر
بعد مشاورات سرية مطولة، أطفأوا الأنوار، وأغلقوا النوافذ، واستدعوا حكماء المال وسحرة الاقتصاد. حتى صاح أحدهم قائلًا: "لن نجد أعلم من كبير المحتالين، وأمير الدهاء والماكرين، فلنستحضر إبليس، فهو أدرى بأسواق البشر من أطبائنا جميعًا، وأفكاره الشيطانية لن تعلو عليها أفكار بشرية".
نصبت الدائرة السحرية، وتليت تعاويذ الطمع والجشع، واشتعلت نار سوداء في وسط القاعة. من بين دخانها الكثيف خرج إبليس بأناقة بالغة، بعينين تعرفان سر الإنسان أكثر مما يعرفه هو عن نفسه.
الشفاء أصبح مشكلة!
قال لهم وهو يبتسم ابتسامة ماكرة: "سمعت أنكم تشكون من الشفاء!" فانحنوا له بخشوع وقالوا: "يا سيد الحيلة، لقد اكتشفت أدوية أوقفت أمراضًا كانت أعمدة أرباحنا، والناس بدأت تتعافى، ونحن نخشى كساد تجارتنا وانهيار إمبراطورياتنا الدوائية".
فضحك ضحكة مدوية زلزلت جدران القاعة وقال: "يا سادة.. ما أجهلكم بطبائع الخلق! أتظنون أن المرض يزرع في الجسد فقط؟ إن أعظم الأمراض تزرع في القلوب والعقول".
المرآة السحرية تكشف أسرار صناعة الأمراض
الخضرة التي تختفي والقلوب التي تضيق
أشار إبليس بيده، فظهرت أمامهم مرآة عظيمة. رأوا فيها مدينة كانت تفيض بالأشجار والحدائق، تظلل شوارعها وتشرح صدور أهلها. ثم رأوها وقد تحولت إلى غابة من الإسمنت المسلح، اختفت حدائقها، واقتلعت أشجارها وزهورها، واشتعلت شمسها الحارقة فوق رؤوس أهلها.
قال إبليس بنبرة الخبير: "حين يحرم الناس من الخضرة والمساحات المفتوحة.. يضيق صدورهم، وحين تختنق المدين بالأسمنت.. تختنق الأرواح. ومن ضاق صدره احتاج دواءً مهدئًا.. ولو لم يعرف السبب الحقيقي لضيقه".
الأسعار التي تتضاعف والقلوب التي ترتجف
لوح إبليس بيده مرة أخرى، فظهرت أرقام تصعد بسرعة، وأسعار تتضاعف، وأبواب تغلق فجأة، وقرارات اقتصادية قاسية تهبط على الناس هبوط الصاعقة. رأوا وجوهًا تحسب ما في الجيوب قبل أن تحسب أحلامها، ورجالًا ونساء يستيقظون كل صباح على قلقٍ جديد ومخاوف متجددة.
قال إبليس في هدوء الخبير المدرب: "القصة بسيطة للغاية، اجعلوا الرواتب ثابتة جامدة، بينما كل الأسعار تتصاعد وتعلو بلا توقف.. وقولوا للناس إن السوق عرض وطلب، وحولوا سكنهم مصدر قلق، والظل نادرًا، والغد غامضًا مظلمًا، ثم انتظروا النتائج".
قائمة الأمراض المصنعة
سأله أحد أباطرة الدواء بلهفة: "وماذا سنبيع إذًا؟" قال إبليس وهو يعدّ على أصابعه ببرودة: "مهدئات لمن أرهقهم التفكير والقلق، وعلاجات للقولون العصبي لمن أكلهم التوتر، وأدوية ضغط وسكر لمن يعيشون تحت ضغط الخوف المستمر، وأقراص منومة لمن سرق الأرق نومهم وراحتهم".
ثم أضاف: "وبيعوا مضادات اكتئاب لمن فقدوا الشغف بالحياة، وعقاقير جلدية لشعرٍ تساقط من التوتر العصبي، وأدوية للقلب الذي لم يعد يحتمل المزيد من الصدمات والضغوط".
السر الأكبر: لا تجعلوا المرض وباءً قاتلًا
اقترب إبليس منهم وهمس بصوت خافت: "لا تجعلوا المرض وباءً قاتلًا سريعًا.. اجعلوه حياة يومية مزمنة، فالوباء يخيف السوق ويقلصه، أما القلق المزمن والضغوط المستمرة فيصنعان إمبراطوريات دائمة للمنتفعين".
التعليم.. المصنع الأكبر للأمراض النفسية
مشهد الثانوية العامة والأحلام المحطمة
أشاح إبليس بيده فانقشعت صفحة المرآة عن مشاهد لقرارات تتخذ باسم التطوير والتحديث. ثم فتح مرآة المدارس والجامعات، فظهرت مدرجات الثانوية العامة، وأوراق إجابة مبللة بعرق السهر والتعب، وعيون أمهات معلّقة بأرقامٍ قد تغيّر مصير بيت بأكمله.
رأوا متفوقين فوق التسعين بالمئة، قلوبهم معلّقة بلافتة واحدة: كلية الطب البشري. سنوات من الدروس الخصوصية ومصاريف تُقتطع من لحم البيوت، وإيمانٌ بسيط أن الاجتهاد والمثابرة يكفيان لتحقيق الحلم.
المفاجأة القاسية: التسعين لا تكفي!
لكن إبليس حرّك المرآة قليلًا، فظهرت لافتات التنسيق بحدودٍ قبول أعلى من أحلامهم وأمانيهم. قيل لهم: "تسعون بالمئة لا تكفي للطب". ثم فتح إبليس زاوية أخرى من المرآة، فبانت أبواب الكليات نفسها مفتوحة على مصراعيها للوافدين واللاجئين بسبعين بالمئة فقط، يدخلون حيث أُغلق الباب في وجه أبناء البلد.
قال إبليس ببرود المحترف: "لا تكرهوا الضيف.. فقط دعوا صاحب البيت يشعر أن الميزان مائل وغير عادل".
من المتفوق إلى العاطل
رأوا شابًا مصريًا يحمل شهادة تفوقه كوسامٍ بلا قيمة حقيقية، وأغلق إبليس المرآة فجأة، ثم فتحها على مكتب التنسيق وأوراقه تتحول إلى كليةٍ نظرية لم يخترها، واسمه يضاف مبكرًا إلى طابور العاطلين الطويل. انطفأت اللمعة في عينيه، وخبا الأمل في قلبه.
قال إبليس: "هنا تصنع أمراض بلا ميكروسكوب أو تحاليل، إحباط يتحول لاكتئاب حاد، اكتئاب يخلخل النوم، يرفع ضغط الدم، يوقظ السكر الكامن، ويستدعي الدواء تلو الدواء". وأغلق المرآة ببطء: "يكفي أن يشعر المتفوق أنه زائد عن الحاجة وغير مرغوب فيه".
الخلاصة: إستراتيجية الإرباك الدائم
أغلق إبليس المرآة النهائية وقال: "حين تُكسر الثقة في العدل والإنصاف، تتكفل الأجساد بالباقي، وإنهاك الشعوب فن رفيع لا يحتاج لحرب تقليدية، ولا يحتاج لجرثومة بيولوجية. فيكفي أن يشعر الإنسان أن حياته تدار من فوق رأسه دون أن يُستشار، وأن جهده لا يكفي، وأن صوته لا يُسمع".
ثم استدار نحو أباطرة الدواء وأضاف بابتسامة المنتصر الواثق: "تريدون أرباحًا لا تنتهي ولا تجف؟ اصنعوا بيئة لا يهدأ فيها الإنسان ولا يرتاح، فالإنسان إذا هدأ تعافى واستقر، وإذا تعافى واستقر.. خسرتم أنتم".
نهاية الاجتماع وبداية التطبيق
وهنا.. أعلن إبليس انتهاء الاجتماع السري، تاركًا أباطرة الدواء في العالم وقد استوعبوا روشتة إبليس الشيطانية بالكامل. وقد اتفقوا فيما بينهم أن الحكومات هي أفضل من يطبق هذه الروشتة على شعوبها بكفاءة عالية.
فليست كل الأمراض تأتي من ميكروب أو فيروس، فبعضها يولد من قلق طويل ممتد، ومن خوفٍ لا ينتهي، ومن حياةٍ تدار كأن الإنسان فيها رقم إحصائي لا روح نابضة.. وحينها يصبح الدواء عادة يومية ضرورية، وهذا ما تفعله بعض الحكومات في شعوبها بجدارة واستمرارية.