بينما تتجه أنظار العالم إلى الملاعب لمتابعة أعظم بطولة كروية على وجه الأرض، كأس العالم 2026، تدور خلف الكواليس معركة من نوع مختلف. فقبل أن يتنافس النجوم على تسجيل الأهداف، تستعد السلطات الصحية لمواجهة خصم غير مرئي قد يتسلل بين ملايين الجماهير القادمة من مختلف أنحاء العالم: الأمراض المعدية.
مونديال عالمي وتحديات صحية عابرة للحدود
منذ سنوات، بدأت السلطات الصحية في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك وضع خطط استباقية لمواجهة السيناريوهات المحتملة مع تدفق زوار من أكثر من 100 دولة. ففي الوقت الذي يتجمع فيه المشجعون داخل المطارات والفنادق ووسائل النقل والملاعب ومناطق الاحتفال، تزداد فرص انتقال الأمراض المعدية، ما يجعل البطولة اختبارًا حقيقيًا لقدرات أنظمة الصحة العامة على الاستجابة السريعة.
ورغم أن أمراضًا مثل الإيبولا وفيروس هانتا تصدرت العناوين الإعلامية مؤخرًا، فإن الخبراء يرون أن التهديدات الأكثر واقعية تختلف كثيرًا عن تلك التي تستحوذ على اهتمام وسائل الإعلام.
الحصبة: الخطر الأول في حسابات الخبراء
تتصدر الحصبة قائمة المخاوف الصحية المرتبطة بالمونديال، إذ تعد من أكثر الأمراض المعدية قدرة على الانتشار بين التجمعات البشرية الكبيرة. ويكمن الخطر في أن الفيروس يستطيع البقاء عالقًا في الهواء لفترات طويلة بعد مغادرة المصاب للمكان، ما يمنحه قدرة استثنائية على الانتقال إلى أعداد كبيرة من الأشخاص خلال وقت قصير. ويحذر المختصون من أن مسافرًا واحدًا مصابًا بالحصبة قد ينقل العدوى إلى عشرات أو حتى مئات الأشخاص داخل المطارات أو الفنادق أو وسائل النقل الجماعي قبل أن تظهر عليه الأعراض أو يدرك إصابته. وتزداد المخاوف في ظل عودة ظهور المرض في عدة مناطق حول العالم، بالتزامن مع تراجع معدلات التطعيم في بعض الدول خلال السنوات الأخيرة.
حمى الضنك: تهديد يتنقل على أجنحة البعوض
بعيدًا عن الأمراض التنفسية، تراقب السلطات الصحية خطرًا آخر يتمثل في حمى الضنك، التي شهدت ارتفاعًا ملحوظًا في بعض المناطق خلال الفترة الماضية. وتنبع الخطورة من وجود أنواع من البعوض القادرة على نقل الفيروس في عدد من الولايات الأمريكية، ما يفتح الباب أمام إمكانية انتقال العدوى محليًا إذا وصل زوار يحملون الفيروس إلى تلك المناطق. وتتضاعف المخاوف لأن البطولة ستقام خلال أشهر الصيف، وهي الفترة التي تشهد ذروة نشاط البعوض في مدن مستضيفة مثل ميامي وهيوستن ودالاس ولوس أنجلوس.
كورونا لم يختفِ والرقابة مستمرة
ورغم تراجع المخاوف العالمية المرتبطة بفيروس كورونا مقارنة بما كانت عليه قبل سنوات، فإن المختصين لا يزالون يتابعون الوضع عن كثب. فالتاريخ الحديث أظهر أن الولايات المتحدة شهدت موجات صيفية متكررة للفيروس، ما يدفع الخبراء إلى مراقبة أي مؤشرات مبكرة على زيادة الإصابات خلال فترة البطولة. كما تشمل المتابعة أمراضًا تنفسية أخرى مثل الإنفلونزا والفيروس المخلوي التنفسي، التي قد تجد في التجمعات الجماهيرية الكبيرة بيئة مناسبة للانتشار.
لماذا لا يقلق الخبراء كثيرًا من الإيبولا؟
رغم الضجة الإعلامية التي ترافق أي حديث عن الإيبولا، يؤكد المتخصصون أن خطر انتقاله خلال كأس العالم يظل منخفضًا للغاية. فالمرض لا ينتشر عبر الهواء أو المخالطة العابرة، بل يحتاج إلى اتصال مباشر بسوائل جسم الشخص المصاب، وهو ما يجعل احتمالات تفشيه خلال حدث جماهيري أقل بكثير مقارنة بأمراض مثل الحصبة أو الإنفلونزا.
خطة أميركية لرصد الخطر قبل وقوعه
إدراكًا لحجم التحدي، عززت السلطات الأمريكية منظومة المراقبة الصحية في الولايات المستضيفة للمباريات، ووسعت نطاق التعاون بين المستشفيات وإدارات الصحة المحلية وخدمات الطوارئ. كما جرى تطوير آليات تبادل المعلومات والتنسيق السريع للكشف المبكر عن أي حالات مشتبه بها، مع التركيز بشكل خاص على الأمراض التي يمكن أن تنتقل عبر المسافرين القادمين من الخارج.
تكساس تتحرك بخطة استباقية غير مسبوقة
في ولاية تكساس، التي تستضيف العدد الأكبر من مباريات البطولة، اتخذت السلطات الصحية خطوات إضافية لتعزيز الجاهزية. فقد تم إنشاء خط استشاري متخصص يعمل على مدار 24 ساعة يوميًا، يربط الأطباء مباشرة بخبراء الأمراض المعدية والأمراض المرتبطة بالسفر، لتقديم الدعم الفوري عند الاشتباه بأي حالة مرضية قد تكون مرتبطة بالمونديال. وستتاح هذه الخدمة للمستشفيات ومقدمي الرعاية الصحية في جميع أنحاء الولاية، إضافة إلى الفرق الطبية المرافقة للمنتخبات المشاركة، ما يضمن سرعة التشخيص واتخاذ الإجراءات المناسبة عند الحاجة.
بطولة تحت المراقبة
مع انطلاق كأس العالم 2026، تبدو الاستعدادات الصحية في الولايات المتحدة جزءًا لا يقل أهمية عن الاستعدادات الرياضية والأمنية. فبينما يحلم المشجعون بالأهداف والبطولات واللحظات التاريخية، تعمل فرق الصحة العامة بصمت لضمان ألا تتحول أكبر احتفالية كروية في العالم إلى فرصة لانتشار الأوبئة. قد لا يرى الجمهور هذه الجهود خلف الكواليس، لكنها ستكون أحد العوامل الحاسمة في نجاح البطولة، وحماية ملايين الزوار الذين سيتقاسمون شغف كرة القدم تحت سقف حدث عالمي استثنائي.



