أجابت دار الإفتاء المصرية عن سؤال حول حكم إخراج الأضحية في صورة لحوم أو مال للفقراء، وذلك بناءً على ما ورد عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أنه كان يشتري اللحم بدلاً من الأضحية ويقول: "هذه أضحيتنا". فهل يجوز استبدال الأضحية باللحم أو المال؟
حكم الأضحية وبيان ما يجزئ فيها
قالت دار الإفتاء إن الأضحية شعيرة من شعائر الدين ومعلم من معالمه الثابتة، وهي مشروعة بالكتاب والسنة والإجماع، وهي على المختار للفتوى سنة مؤكدة، فعلها النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأمر بها ورغب فيها أصحابه. فعن أنس رضي الله عنه قال: "ضحى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بكبشين أملحين أقرنين، ذبحهما بيده، وسمى وكبر، ووضع رجله على صفاحهما" متفق عليه. ويكره تركها في حق القادر عليها؛ لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: "من كان له سعة ولم يضح، فلا يقربن مصلانا" أخرجه الإمام أحمد وابن ماجه.
ومن المقرر شرعاً أنه لا تجزئ الضحية بغير الإبل والبقر والغنم وما يصح أن يندرج تحت ذلك كالجاموس والماعز، وقد حكى الإجماع على ذلك غير واحد من العلماء، كالإمام ابن عبد البر في "التمهيد" والإمام النووي في "المجموع". ومقتضى ذلك أنه لا يجزئ في الأضحية إعطاء المال أو شراء اللحم ونحوه والتصدق به على أنه أضحية. وما ورد عن بعض السلف من التصدق بالمال بدلاً من الأضحية، فإن ذلك محمول على أن بعضهم كان يرى أن التصدق على اليتيم والمحتاج بثمن الأضحية أفضل من ذبحها، وبذلك قال الشعبي وهو قول لمالك وأبي ثور.
توجيه ما ورد عن ابن عباس من شراء اللحم بدلاً من الأضحية
أما ما ورد عن ابن عباس رضي الله عنهما من أنه كان يشتري اللحم ويضحي به، فإن ذلك لا يعني أن اللحم يغني عن شعيرة الأضحية أو يسد مسدها، وإنما كان ذلك بقصد تعريف الناس أن الأضحية ليست بواجبة محتمة، بل هي سنة مؤكدة اختيارية في حق القادر عليها. فعن عكرمة أنه قال: أرسلني ابن عباس رضي الله عنهما أشتري له لحماً بدرهمين، وقال: "قل: هذه ضحية ابن عباس" أخرجه عبد الرزاق والبيهقي.
قال الإمام الشافعي في "الأم": وقد بلغنا أن أبا بكر وعمر رضي الله عنهما كانا لا يضحيان؛ كراهية أن يقتدى بهما ليظن من رآهما أنها واجبة، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه جلس مع أصحابه ثم أرسل بدرهمين فقال: "اشتروا بهما لحماً، ثم قال: هذه أضحية ابن عباس"، وقد كان قلما يمر به يوم إلا نحر فيه أو ذبح بمكة، وإنما أراد بذلك مثل الذي روي عن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما.
وقال الإمام ابن عبد البر في "التمهيد": محمله عند أهل العلم لئلا يعتقد فيها للمواظبة عليها أنها واجبة فرضاً، وكانوا أئمة يقتدى بهم من بعدهم ممن ينظر في دينه إليهم؛ لأنهم الواسطة بين النبي صلى الله عليه وآله وسلم وبين أمته، فساغ لهم من الاجتهاد في ذلك ما لا يسوغ اليوم لغيرهم. وقال الإمام القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن": محمل هذا وما روي عن أبي بكر وعمر أنهما لا يضحيان عند أهل العلم؛ لئلا يعتقد في المواظبة عليها أنها واجبة فرض، وكانوا أئمة يقتدى بهم.
فما ورد عن ابن عباس رضي الله عنهما إذن من شرائه اللحم: إنما كان لعدم اقتداء الناس به وظنهم أن الأضحية واجبة، وليس أن شراء اللحم أو غيره يجزئ عن الأضحية، بل إنه محمول أيضاً على أنه ضحى وتصدق بجميع لحم الأضحية، واشترى لنفسه لحماً. قال الإمام القدوري في "التجريد": وأما ابن عباس فيجوز أن يكون ضحى وتصدق بجميع اللحم وابتاع لنفسه لحماً، وقال: "هذه أضحية ابن عباس" أي: عوض نصيبه من الأضحية.
بالإضافة إلى أنه رضي الله عنه كان كثير الذبح والنحر كل يوم كما أفادت الأخبار والآثار عنه، فكيف له أن يذبح كل يوم ولا يذبح في يوم النحر؟ فعن طاوس رحمه الله قال: "ما رأيت بيتاً أكثر لحماً وخبزاً وعلماً من بيت ابن عباس رضي الله عنهما، يذبح وينحر كل يوم، ثم لا يذبح يوم العيد! وإنما كان يفعل ذلك؛ لئلا يظن الناس أنها واجبة، وكان إماماً يقتدى به"، ذكره الإمام الطرطوشي في "الحوادث والبدع" والإمام الشاطبي في "الاعتصام".
الإفتاء توضح حكم إخراج الأضحية في صورة لحم أو مال للفقراء
شراء اللحم للتصدق به أو إعطاء الأيتام والمحتاجين من الفقراء والمساكين مالاً أمر محمود شرعاً ويثاب عليه، ولكنه لا يجزئ عن الأضحية ولا يقوم مقامها.
الخلاصة
بناء على ذلك: فإن ما يجزئ في شعيرة الأضحية هي أن تكون من بهيمة الأنعام: الإبل، والبقر، والغنم، ولا يجزئ شراء اللحم وغيره أو التصدق بالمال؛ لكونها عبادة مقصودة لذاتها. وما ورد عن ابن عباس رضي الله عنهما من شراء اللحم، فإنما هو محمول على معنى خاص هو بيان عدم وجوب الأضحية وجوباً محتماً، ولئلا يظن الناس أنها واجبة، وهو إمام يقتدى به. ولمريد الأضحية أن يتصدق بالمال إذا رأى أن من حوله في حاجة إلى المال أكثر من اللحم، إلا أنها لا تعد حينئذٍ أضحية، وإنما صدقة من الصدقات.



